-->
U3F1ZWV6ZTE4NDE0OTExMTZfQWN0aXZhdGlvbjIwODYxNTU3MzE4
recent
أخبار ساخنة

أول يوم لي في المدرسة كأستاذ.قصة مملوءة بالتحديات و العبر وسط جبال المغرب العميق.رشيد شاكر


أول يوم لي في المدرسة كأستاذ.قصة مملوءة بالتحديات و العبر وسط جبال المغرب العميق.رشيد شاكر

أول يوم لي في المدرسة كأستاذ.قصة مملوءة بالتحديات و العبر وسط جبال المغرب العميق.رشيد شاكر
أول يوم لي في المدرسة كأستاذ.قصة مملوءة بالتحديات و العبر وسط جبال المغرب العميق.رشيد شاكر

أول يوم لي في القسم...
   كنت قد تقاسمت معكم فيما سبق لحظة مهمة جدا في حياتي و حياة أي طالب علم يسعى لبلوغ أهدافه،لكني اليوم و في إطار التحفيز سأتقاسم معكم ومضات من أول يوم لي بالمدرسة كمعلم...
     كان ذلك أشبه بحلم يغازل جفونك الشاحبة من فرط السهر ذات ليلة بهية مخصبة بأغاني السمر...كان كلحظة التصاق الرضيع بثدي أمه،ليرضع منها لبن الحياة..كان كعمر جديد يكتب لي على صحيفة من ورد و ياسمين...
بدت السماء في عيني صبيحة ذلك اليوم مبتهجة ،و كأنها تبارك لي انضمامي إلى هذا العالم الذي كان بالنسبة لي أكثر من مجرد وظيفة...كنت أعشق و بلا ريب تعليم الأطفال ،و تسليتهم،و مصاحبتهم،و لعل ذلك ساعدني كثيرا في اجتياز مرحلة الاختبار الشفوي...
وعلى العموم ،التقيت برفيقي الجديد ،الذي جرى تعيينه في نفس المجموعة المدرسية،كنا قد التقينا بالصدفة خلال مرحلة تعبئتنا لبطاقة الرغبات في مقر المديرية الاقليمية بالحوز،وهو من أخبرني فور إعلان نتائج التعيينات أننا سنلتحق بمجموعة مدارس إغي التابعة لجماعة زرقطن بإقليم الحوز...كنت أعرف مسبقا تلك المنطقة،و أعلم جيدا تضاريسها ، وقد أفادني والدي ببعض المعطيات ،لكنه كان متخوفا من تعييني بدوار يدعى ( إكوزوضن) ...حذرني من اختياره في حال ما إذا أتيحت لي إمكانية إنتقاء المدارس التي أريدها...
    لكن هيهات هيهات...عازب ...و شاب...و بدون أقدمية في المجال...حتما لن أحظى إلى برحلة بعيدة في الأدغال...و كنت أعلم بذلك مسبقا..إذ لم يتبقى لنا إلا أن نلتحق بدوار ( إكوزوضن)....
كان الجو ماطرا...لا نملك مظلة ،و من حسن الحظ ،كان يوم سبت ،إذ يقام السوق الأسبوعي ساعتها في مقر الجماعة،و إلا كنا لنكمل المسير صوب المؤسسة المركزية و التي تبعد عن السوق بحولي 12 كلم.
وصلنا أخيرا...تركنا أمتعتنا عند صاحب أحد المحلات التجارية الذي أخبرنا أن الطريق إلى هناك شاقة..وقد تستغرق ساعات لكي نصل..بيد أن الشغف كان يدفعنا،فامتطينا صهوة المشاق،و اتكأنا على ما أوتينا من معرفة بأسرار الجبال و المداشر ،فنحن أبناء القرى كبرنا في ذات المناخ،و لن يعيقنا مثل هذا التحدي....
    في الحقيقة كان ذلك أسوء يوم لنا في مسارنا حتى الآن...فلا المطر توقف عن الهطول،و لا نحن اهتدينا إلى الطريق...بل و كلما اهتدينا إليه ،نظل ثانية ،لنجد أنفسنا و من دون سابق إنذار...أمام بناية توحي من شكلها أنها مدرسة...
للأسف ليست المكان المقصود ،نحن للتو اجتزنا نصف المسار، و لازال الطريق طويلا نحو المجهول...
هناك و على امتداد بصرك ،تلمح بناية معلقة على حافة ،أسفل منها واد عميق ....يقسم المكان إلى نصفين...هناك بدت لنا راية حمراء بالية،و بعض الطاولات التي لا زالت تؤدي واجبها و إن كانت في أسوء حال...
لا سور يحيط بالمكان...لا ملعب...لا شيء..غير سفح شديد الانحذار،لو تدحرجت منه لعدت إلى حيث بدأت...
أخبرت صديقي أننا قد بلغنا أخيرا،و على ما يبدو كانت هذه الرحلة كافية بالنسبة لي كي أتعرف عليه ،و أتبادل معه الحديث ، كان شخصا لطيفا للغاية...و كنت سعيدا بالعمل معه.
     أخيرا و لأول مرة سأقتحم المكان دون استئذان ...محاولا استجلاء تفاصيله الصغيرة...فعلى الرغم من برودة الجو ،إلا أنني شعرت بالرغبة في مواصلة المسير نحو أبعد قمة كي أحظى بفرص أكبر لاستكشاف الطبيعة حيث لا يزال كل شيء على فطرته...
هنا فقط تستطيع أن تنام فارغا من ضوضاء المدينة ،وصخب الشوارع...هنا ترتاح من تلك الوجوه الكئيبة ،لتستقبل كل صباح ملائكة صغارا،يحيونك من كل قلبهم...
    لم أرد أن أطيل عليكم...فبعدما استقبلنا أحد الأساتذة الذين كانوا يشتغلون بتلك المدرسة ، توجهنا لنقضي الليلة عند أحد سكان القرية الذي استقبلنا بحفاوة...فنحن لا نملك فراش النوم ،ولم نأتي بأغراضنا بعد،بل جئنا فقط لنستكشف المكان ...و نتعرف على مقر عملنا الجديد...
   كنا قد جلبنا أمتعتنا صبيحة يوم الأحد ،و لن تصدقوا أن مسكننا الجديد سيكون قسما فارغا لا باب له و لا نوافذ...نعم إنه كذلك...قسم واسع يرتع فيه البرد...و لسوء حظنا لا نلمك إلا بضعة أفرشة ...
افترشنا سبورتين على الأرض، حتى ترفع عنا البرد قليلا...كان الأمر أشبه بأن تنام على رصيف الشارع..ولعل الرصف ألطف مما سنقضي عليه دورة دراسية كاملة...في البداية كان كل واحد يلتحف فراشه و ينام في معزل عن الآخر،لكن ليلة واحدة كانت قد وحدتنا ،لنقرر مواجهة البرد بتوحيد الفراش ،على الأقل حتى تمر أشهر الشتاء....
في الثالث و العشرين من شهر يناير 2017 بدأ مشوار الألف ميل...خطوة بخطوة...توجهت صوب قسمي ،وقد تم إسناد المستوى الأول و الثاني لي،قسم مشترك طبعا...
    دخلت القسم مرتديا وزرتي ،اليوم سيكون للتعارف فقط،و سأحاول أن أجعل تلاميذي يثقون بي ،و سأحكي لهم عن تجربتي ،و كيف وصلت إليهم ،و سأقدم لهم بعض الحلوى....
وصل أول تلميذ،ألقى التحية ثم جلس في مقعده ،و إذ بالبقية يلتحقون و الكل يردد ( يوشكاد المعلم ن لجديد) .....جاء معلم جديد....
تلك العبارة ظلت محفورة في ذاكرتي ،فقد بدت كتراثيل مسائية تردد على أبواب المساجد و المعابد...كانت كمديح يلقى بمسارح الشعر...
     استأنست بالأجواء قليلا ،بدأنا بتقديم أنفسنا،الجميع يجد صعوبة في تقديم نفسه بشكل صحيح...و البعض منهم يرتجف خوفا...و أنا كنت كذلك أشعر أنني لا أعرف شيئا ،و أشعر أني لم أقدم أوراق اعتمادي بشكل صحيح...
كنت أقف أمامهم تارة،فتخجلني تلك العيون البريئة التي ترنو إلي ،و تربكني تلك النظرات التي تجتاحني عنوة لتتعرف على ملامحي،فأظطر تارة أخرى لأتجول بين الصفوف.
شعرت أنها لحظة مهمة في حياتي ،و لو ربحت التحدي اليوم فسأصبح معلما ناجحا طيلة حياتي...لكن إن عجزت ،فلن أطيل المكوث هنا....
     مرت اللحظة بلمح البصر،فقد حان وقت الخروج ، و لك أن تتخيل أن تلك الأيادي الصغيرة و في أول يوم لك معها تمتد لتصافحني ،باعثة في نفسي مزيدا من الانشراح...
تسللت إلى أذني جملة مثخنة بالكرم و الجود ( أستاذ آكد أويغ أغروم)...أستاذ هل أحضر لك خبزا...
نعم يا صغيري...ما أكرمك...
هنا لا مكان لتحصل على خبز إلا من عند الساكنة الذين اعتادوا على الأمر...هنا يا أحبتي طبائع الناس ما زال فيها شيء من الإيمان بالعطاء دون انتظار مقابل...
هنا لا ماء موصول بالمنازل...و لكن الله رزقهم معينا لا ينضب...ماؤه ألذ ما ستشربه ذات يوم...
هنا الماء يصلك معبئا من مصدره، ويتناوب التلاميذ على ذلك...و أحيانا نخترق الحدود لنتطفل على الدوار من أجل قطرة ماء....
هنا ما زال الأستاذ أستاذا....
هنا بغال السكان تحمل أغراضنا...و منهم من يتقاسم معك ما يملك من سمن و زبدة و زيت و بيض...
هنا و بمجرد أن تستيقظ ستشعر أن الحياة حتما تذب في أضلعك...
هنا بياض الثلج ،و حبات المطر ،وصوت العصافير،و زغاريد النساء في الحقول...قطعان الأغنام و الماعز التي لا تبرح المكان...وكل شيء هنا لا يزال في أصله.
هنا مغرب آخر...وطن آخر معزول تماما...
هنا أنت كأستاذ تداوي الجراح...و تصلح الهواتف...و أجهزة الاستقبال... و تقرأ الرسائل ..و تجري المكالمات....و تقرأ دعوات المحاكم،و تفصل بين الناس...
هنا أنت الحكيم.
     مع مرور الوقت صرنا جزءا من تلك المنطقة ،و قررنا في العام التالي البقاء و عدم الرحيل رغم أن الإمكانية متاحة...إلا أن كرم الأهل و ارتباطنا الوثيق بالتلاميذ أبقانا هناك ،رغم وعورة الجو و صعوبة التضاريس....
أقول لكم أحسنوا صنيعكم بأبناء هذا الوطن...و ازرعوا في قلوبهم ورود الأمل...
تحياتي لكم
لو أعجبتكم اتركوا لي تعليقا أسفل الموضوع.
بقلم رشيد شاكر
الاسمبريد إلكترونيرسالة