U3F1ZWV6ZTE4NDE0OTExMTZfQWN0aXZhdGlvbjIwODYxNTU3MzE4
recent
أخبار ساخنة

البشري البائس و فيروس كورونا "بقلم :نقموش معمر الجزائر" مسابقة افضل مقال

البشري البائس و فيروس كورونا

البشري البائس و فيروس كورونا
البشري البائس و فيروس كورونا

     إن التّفكير في الحياة الجماعية في هذه السّاعة تفكير فيه من الحنين والشّوق إلى ممارسات كانت بوقت قريب مملة و مدعاة للقلق وليس ذلك بغريب عن هذا البشري غريب الأطوار الذي لا تعجبه حياة اليوم كما لم تكن تعجبه حياة الأمس. وهو اليوم بين جدران أربعة أو أكثر، يعيش حبيس خوفه، يعيش قلقا رهيبا وهو يرى أحلاما كانت تراوده تتلاشى أو تكاد، وهو يرى تلك الصّور الجميلة التّي كان يصنعها كل يوم، هنا في غرفته أو هناك في الشارع، في المقهى، وفي السّاحات الكبرى والفضاءات الواسعة، مواعيد مؤجلة إلى زمن غير معلوم وحركات مختزلة بسيطة لا تعدو تكون تنقل بين حجرة وأخرى.
    قد يبحث له عن أنيس ووسيلة ما تجعل من وقته يمر بسرعة، يتنقل بين التّلفاز والحاسوب ولعب الأطفال و لا ضرر في دخوله المطبخ كي يجرب عملا لم يفكر فيه يوما. هذا البشري الذي توقفت الحياة عنده ليعيش سجنا ليس لأنه لص سرق شيئا ، وليس قاتلا أو مجرم مخدرات ، نعم هو لم يضرب أحدا ولم يقل منكرا، نعم هذا البشري الذي يجلس اليوم وهو ربما يحاسب نفسه ويفكر فيما قام به، قد يحاسب نفسه كي يصلح شيئا أو ربما يقوم بتقويم اعوجاج في حياته، يحسب ما له وما عليه، يتذكر أصوات الفقراء الذين كانوا يئنون من حوله ويشعر باللذين كانوا يجوبون الأماكن بحثا عن علاج أو دواء أو أمل. 
     فهل يتذكر أن حروبا دمرت البيوت فلم يجد البعض مسكنا إلا العراء، أماكن لا تقي من البرد ولا تؤمن من خوف ولا تطعم من جوع. هل يدرك هذا البشري مدى معاناة الذين أنهكتهم الحروب والمجاعات، كم فقدوا من عزيز وكم تركوا من أحلام معلقة، وهل سمعوا صرخات الأمهات و الأطفال والعجزة، وهل تتبعوا خطوات عارية الأجساد والأرجل، نعم كانوا حفاة عراة، ضامرة بطونهم، وهل يدرك هذا البشري حجم السّوط الذي يضرب أجسادا بغير حق، ظلم وتجبر وقسوة إنسانية في كل مكان. أيها البشري كيف لا تسجن اليوم وأنت من أشعل هذه الحروب وأنت من أوقد النّيران في الأمصار، خرب وحطم ودمر وداس على الأعناق حية، قتل دون رحمة. 
     وأنت تتعالى على الخلق وتتحدى بما وصلت إليه من مخترعات وما حزته من سبق و ما أنجزته في الطّب و الفضاء وكل مجالات الحياة المتعدة ألا تقف اليوم ذليلا صاغرا، وأنت تنتظر نجدة من السّماء تبحث عن الفرج وتطلب اللّطف بيد مكبلة وعقل عاجز، لا يدرك سبل الخلاص. 
     ألا تتوقف اليوم أيها البشري لتعلن ضعفك الحقيقي، لتعلن أنك مضغة ونطفة وأنك طينة بثت فيها روح من رب قادر تجهله، ربما بصرت به وتجاهلته بما وصلت إليه من تناسق بديع ونسج رفيع و قدرة خارقة لا تصل اليها يد بشرية، مهما طال الزمان أو قصر فقط لأنّها مخلوقة مسيرة تحتاج دائما إلى عون معين، إلى جبار يقول كن فيكون. أيها البشري، الانسان البائس الضّعيف هل تعود بعد هذا لأفعال ربما تولد اليوم الإقلاع عنها لا أقول أنك ستتحول إلى إنسان آخر طاهر نظيف لكن هل ستغير شيئا منك هل سترأف بالمستضعفين وتحمي الفقراء وتعين المحرومين وهل ستعبد ربك حق العبادة وتكون من الشاكرين ونحن نعرفك نريد تغيير الصّفات والافعال وتبقى أنت البشري صاحب العقل واللّسان الاذنين والعينين. 
     هو أنت في صفتك الباطنية إنسان إما أن تنسى عهد الله الذي عهده إليه وتنسى نعمته فتأنس بالدّنيا وإما أن تحافظ على فطرتك وطبيعتك الإنسانية كما فُطِرَت عليها من أول عهد لك. والأصل فيك أنك تأنس بعهد الله ونعمته وأوليائه وعلمه وعبادته، وتخرج من ظاهر الانسان إلى باطنه ومعدنه الحقيقي الذي فطر عليه.
                                                                     نقموش معمر الجزائر 

  حقوق الملكية الإبداعية محفوظة لصاحب المقال .و لا يمكن نسخ المحتوى و نشره دون ذكر مصدره
يمكنكم ترك تعليق تحفيزي لصاحب المقال دعما و تشجيعا له على مشاركته في هذه المسابقة
الاسمبريد إلكترونيرسالة