-->
U3F1ZWV6ZTE4NDE0OTExMTZfQWN0aXZhdGlvbjIwODYxNTU3MzE4
recent
أخبار ساخنة

قصة بعنوان "قدوة في الصبر " بقلم اسماعيل الأحمد


قصة بعنوان "قدوة في الصبر " بقلم اسماعيل الأحمد

قدوة في الصبر
قدوة في الصبر

الطمأنينة هي شيءٌ لا يوصف وإنما يُعايش تماماً كأنواع الروائح ومذاقات الأطعمة؛ نحس بها لكن لا نستطيع وصفها.

هذا بالضبط ما أحست به تسنيم عندما قالت بعينين مليئتين بالدموع "حدثني عن نعيم الجنة"
أمسك يدها، شدَّ عليها بقوة وقال: حبيبتي ... في الجنة يُكرِمُ الله تعالى عباده المخلصين، الذين نجحوا في امتحان الدنيا، وللإناث منهم مكافأتٌ خاصة اختص الله بها الفتاة الصالحة، ومنها بأن تكون هذه الفتاة أكثر جمالاً من الحور العين نفسهم إضافة إلى ذلك فإنها تبقى في سن الشباب؛ السن الذي لطالما حلمت به وأحبت أن تبقى عليه، وبما أن الفتاة أيضاً تحب الحليَّ والمجوهرات فإن الله يعطيها أكثر مما تتمنى فتكون لؤلؤة واحدة من اللآلئ الموجودة على تاجها أجمل من الدنيا وماعليها، غير أن ثيابها وفساتينها مصنوعةٌ من ورق الجنة ومنها ما هو من نور...

استرسل أحمد في وصف الجنة وملذاتها... بينما هي أغمضت عيناها وغرقت في ثبات عميق بعدما ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة كانت دليلاً على الرضا والقبول.
كانت تسنيم فتاة جامعية في مُقتبل العمر، جميلة الخَلق والخُلق، أصاب الدهر منها ما أصاب وجعلها تتحمل مسؤولية كبيرة في ربيع عمرها، حيث كانت تعيش بعيداً عن أهلها ،هم في الشمال السوري وهي تعيش في السكن الجامعي بدمشق، تدرس وتطبخ وتصرف مما يرسله لها أهلها وكلُّ ذلك في سبيل الفرع التي أحبته، فرع اللغة العربية.
أما أحمد فقد كان على مشارف التخرج من كلية الطب، شاب بمواصفات رجل عندما علم بوضع هذه الفتاة ساعدها ووقف إلى جانبها ولم يتخلى عنها، تارةً يقوي من عزيمتها وتارةً أخرى يواجها معاً مطبات الحياة.
كان يرى فيها الفتاة المثالية الصابرة الملتزمة والتي تخاف الله، وبالمقابل كانت هي تراه أيضاً الشريك المثالي الذي تحلم به أي فتاة.
من اول لقاء بينهما كان هنالك توافق بسيط يجمعهما، وبعد هذا التوافق كان للحب الكلمة العليا واستطاع الاخير بجبروته وضع أساساتٍ لعلاقةٍ ناجحةٍ تجمع شاباً وسيماً بفتاةٍ نادرةٍ في هذا المجتمع.
انتهت السنة الدراسة الأولى، وكانت تسنيم من المتوفقين في دفعتها، شكرت الله على هذا التوفيق الذي ارجعت سببه إلى دعاء أهلها ورضاهم عليها، ودّعت رفاقها جميهاً وذهبت مع أحمد الذي سيرافقها إلى الحافلة التي ستسافر بها إلى قريتها.

جلست على إحدى كراسي الحافلة وهي تمسك بكلتا يديها باقة الورود البسيطة التي أعطاه إياها أحمد، اخذت تنظر إليه من الشباك وهو يلوح بكفه داعياً الله لها بالسلامة مراقباً عجلات الحافلة وهي تسير ببطء أخذةً معها قلبه.

                                                     

أيامٌ قليلة ويبدأ الدوام الرسمي لطلاب الجامعات.
خرج أحمد ذات مساء من عيادته حاملاً حقيبته الصغيرة بيد، ويضع هاتفه على أذنه باليد الأخرى، تمتم بصوت خافت
"لماذا لم تجيب ؟!"
فتح باب سيارته ودخل، أمسك الهاتف وكتب رسالة نصية:

(هذا الليل الجميل ما هو إلا امتداد لسوادِ عيناكِ... لماذا لا تردي؟ اشتقت لكِ)
وضع الهاتف، أدار محرك السيارة وتزامن ذلك مع رنين هاتفه؛ رسالة جديدة ...
( وأنا اشتقت لك أكثر، ولكن ألا تعلم أنني أخاف .. أخاف أن أسمع صوتك فيرتوي قلبي بعشقك وتزداد نبضاته)

ابتسم أحمد وتهيأ للرحيل لكن صوتَ طرقاتٍ خفيفةٍ على شباك السيارة أوقفه.
-دكتور... عندنا حالة إسعافية، تسرع في القلب
-أطلق ضحكة ، خرجت من صميم قلبه وقال: أيتها اللعينة...قد فعلتيها بي.

كانت تسنيم هي من طرقت الشباك ..لم تخبره انها ستأتي، أحبت أن تفاجئه فقد أخبرها ذات مرة أنه يحب المفاجأت.

ركبت معه، وجابا شوارع دمشق بطولها وعرضِها تحت أضواء الشام التي تصنع مع سواد الليل لوحةً فنية يعجز أكبر الفنانين عن إبداع مثلها.
في الأسبوع الاول من السنة الدراسية الثانية كان كل شيء على ما يرام، الا أن خبر انقطاع الطريق عن الشمال كان أسوء خبر يمكن أن تسمعه، ليس هذا فحسب بل أن هنالك حصار قد فرض نفسه على قريتها، فلا أحد بات يستطيع الدخول ولا الخروج أبداً.
جاء عيد ميلاد تسنيم وهي بعيدة عن أهلها، ولم يكتب لها في هذه الأثناء أن تشارك فرحتها هذه مع أهلها، حزَّ في نفسها فراق أبيها وأمها وأخيها الصغير يوسف.
ولكن كعادتها صبرت واحتسبت كما تعودت منذ الصغر.
ومع ذلك كانت للفرحة سبيل إلى قلبها عن طريق أصدقائها الذين احتفلوا بها، فقد اتفق أحمد وباقي الرفاق أن يفاجئوها بقالب حلوى وبعض الهدايا الرمزية، كانت حفلة لطيفة أدخلت السرور الى داخلها وأنستها مصابها.
وبعد انتهاء الحفلة ذهب الجميع وبقي أحمد وتسنيم لوحدهما.
وبعد لحظات ليست بالكثيرة سألها احمد السؤال الذي سألها إياه كثيراً من المرات مؤخراً: ماذا عن زواجنا؟ ألم يَحِن الموعد بعد؟
أطرقت عيناها بالأرض وقالت بلهجة حانية: أنت تعرف كم انا أحبك يا أحمد ولكن الوقت ليس مناسباً اخاف أن اقول لك نعم فنتزوج وأقصر في دراستي ولا استطيع الوفاق بينها وبين بيتي وزوجي، وبذلك أخسر الجامعة التي تركت اهلي بسببها وكانت سبباً لفراقنا، ومن جهةٍ أخرى أخاف أن أخسرك وتتزوج غيري وبذلك يذهب الشخص الذي حلمت به.. أنا ضائعة يا أحمد .. ضائعة؛ أرجوك لنؤجل الحديث لوقت لاحق.
رفع أحمد وجهها الذابل بيده ووَجّه نَظَرَهُ لعينيها وقال: حسناً ... ولكن اسمعي ... تأكدي يا تسنيم أنني معكِ وسأبقى معكِ ما دُمت حياً ولن أفكر بسواكِ.
بعد عدة شهور وتحت أشعة الشمس الصفراء خرجت تسنيم من محاضرتها وتوجهت إلى رفاقها الجالسين في الحديقة وقبل أن تَصِل رن هاتفها، نقلت كتبها الى اليد الأخرى ووضعت هاتفها على أُذنها، وما هي إلاّ ثواني حتى تغيّر لون وجهها وذهب بريقه المعتاد وسقطت الكتب من يدها وخرت باكية كحبة مطر سقطت من السماء وصرخت "لا ياالله لا".

اجتمع الطلاب حولها وبسرعة أخذوها الى غرفتها وماهي الاّ دقائق معدودة حتى كان احمد هناك طرق الباب بلهفة فتحت هدى (إحدى صديقات تسنيم) الباب.
-ماذا هنالك ؟ ما الذي جرى ؟ اين تسنيم ؟هل هي بخير ؟
-تسنيم بخير .. ولكن
-لكن ماذا ؟
-اهلها... ابوها وامها واخوها الصغير جميعهم ماتوا إثر قذيفة صاروخية مجهولة المصدر سقطت على بيتهم.

                                                      

على مهلك يا حبيبتي لا تسرعي هاتِ يدك
هكذا قال أحمد بينما كانت تسنيم تنزل من درج المنزل لترفقه الى إلى حدى الزيارات.
أجابت تسنيم بعد أن رمقته بنظرة مشوبة بالخجل صحيح انني حامل لكنني في الاشهر الاولى، لا تبالغ يا أحمد.

تزوجت تسنيم من احمد.. الشاب الذي كان يجمعها به اكثر من كلمة حب والذي الح عليها بالزواج كثيرا وبالمقابل كانت دائما ترفض هذا الطلب بحجة انها لا تستطيع الوفاق بين الدراسة والزواج وها هي الأن قد تركت جامعتها وتفرغت لبيتها وزوجها وطفلها الذي سيأتي بعد أشهر
كان قراراً صعباً ولكن الأحداث الذي حدثت معها انتزعت من داخلها اللهفة على الدراسة وحب العلم.
أما أحمد كان ولازال الملجأ الذي تهرب إليه عندما تضيق بها الحياة.
في إحدى الايام اقتربت تسنيم من احمد بينما هو يشاهد التلفاز وقالت : أحمد رجلي تؤلمني كثيراً.
ذهب بها الى إحدى الطبيبات التي أجرت لها بعد الفحوصات ثم وصفت لها بعض المسكنات وطمأنتهما على ألّا يخاف..
هذا شيء عارض ليس إلّا.
بعد عدة أسابيع جاءت إليه وقالت: الوجع لازال مستمر في رجلي حتى انظر .. هنالك تورم خفيف.
أخذها إلى طبيب أخر، شاهد رجلها وحوّلها فوراً إلى قسم الأشعة، لأنه يوجد تورم وفي هذه الحالة لا يمكن فعل شيء قبل إجراء صورة محورية لرجلها.

كانت نتيجة التقرير تحمل اسم  Cancer bone نوع من أنواع السرطان.
تلقى أحمد الخبر لوحده، كانت صدمة وفاجعة كبرى، أحس وكأن سهماً قد اخترق صدره وسكن في صميم فؤاده.
خاف أحمد كثيراً ... كيف سيخبرها، هل ستجزع؟ هل ستنهار؟
وفي النهاية لم يحدث لا هاذا ولا ذاك، تقبلت الخبر بشكل مفاجئ لكن عبراتها ما كانت إلى لتسقط عندما تذكرت الطفل الذي في بطنها وما الذي سيحصل له بعد ذلك.
كان لابُدّ من العلاج الكيماوي، وبعد فترة طلب الأطباء إجراء عملية وإلّا لا سبيل إلى بتر رجلها كاملة.
تمت العملية بنجاح ..

بعد فترة طلب أحد الأطباء أحمد ليكلمه، جلس أحمد في المكتب ثم قال له الطبيب لا أعلم ماذا أقول ولكن أنظر هنالك نقاط في الرئتين يبدو أن المرض قد وصل إليهما.
أخبرها أحمد بذلك، وبعدها قال لها الطبيب أنه سيبدأ معها بعلاجٍ كيماويٍ أخر.
عندها لم تتمالك نفسها وقالت: يا ربي كيماوي أخر، أن ما صدقتُ أن شعري قد نما قليلاً.. لا أريد كيماوي .. لا أريد.
كانت كثيراً من المرات تتضايق ولكن دون سخط، دون جزع، أو عتبٍ على القدر.
تم استئصال السرطان من الرئتين، وهنا دخلت تسنيم في مرحلة من الراحة والانشراح مع كثير من التفاؤل بأنها تعافت من المرض وأصبحت تستطيع السير على قدميها.
كان صديق أحمد طبيب يشرف على حالة زوجته مع أنه غير مكلف بها.
في أحد الأيام تفاجئ أحمد من تجاهل صديقه لرسائله ومكالماته التي لم يردّ عليها، إلا أنه أخيراً رد وقال له:
-بصراحة لم أرغب بالرد عليك لأن السرطان رجع إلا الرئتين مرة أخرى.
-حسبي الله ونعم الوكيل .. إذاً ما الحل يا دكتور هل هنالك عملية أخرى ؟؟
-لا ... لا يوجد حل إلا البتر، وحتى بعد البتر على الأغلب أنها لن تعيش لفترة طويلة.

خيارٌ مؤلمٌ حقاً أن يتركها تتدهور حالتها بدون أي أمل بالشفاء، أو أن يتعلق بأمل حتى ولو كان ضعيف جداً.

لم يؤثر بها البتر بقدر ما أثّر بها موت الجنين الذي في أحشائها والذي على إثره دخلت بنوبة اكتأبٍ تام.
جُنَّ أحمد وتخبط بطوله وعرضه ولم تعد الأرض تحمله لكن ما الفائدة ليس باليد حيلة.
وبما أنه طبيب، بحث كثيراً في الإنترنت عسى أن يجد شيء بسيط يساعده ولو قليلاً، لكن لا جدوى، فهذا النوع من السرطان لم يتطور شيء في علاجه منذ أكثر من خمسين سنة.
تفاقمت الأعراض، ولكنها صابرة، راضية بما كتب الله لها، أما أحمد فكان يحرص على أن تلقى زوجته ربها بقلبٍ سليمٍ وهو راضٍ عنها، اطمأن أحمد على هذا عندما كانت إحدى الممرضات تدخل في يدها الأنبوب الذي يتم من خلاله إدخال الأدوية التي تمنع المريض من الإحساس بالاختناق.

أخطأت الممرضة بتركيب الأنبوب، وبسبب هذا لم يدخل الدواء بشكل جيد، وبدأت تشعر بضيق النفس، اختنقت اختناقاً شديداً لكن لم يخرج من فمها إلا " لا إله إلا الله .. يا رب .. يا رب "
على قدر ما كان أحمد حزين على رؤية حبيبة عمره تختنق، كان راضٍ لأن الله يثبتها في هذه الحالة.
إلى هذه اللحظة وفكرة الموت ليست واضحة بالنسبة لها.

-سألت أحمد : هل سأموت ؟؟
-أجابها أحمد : يا نبض قلبي ... أنت تعرفي أن لا أنا ولا الممرضات ولا أحد في الدنيا يعرف جواب هذا السؤال، الله عز وجل إن اختار لك الوفاة فأنتِ بجوار الله أحسن من جوارنا، وإذا عِشتي فلن تكوني في هذا الوضع الذي أنتِ عليه.

وفي عصر أحد الايام .. وبينما كان أحمد جالس على الكرسي بجوار سريرها همست في أذنه وقالت "حدثني عن نعيم الجنة"
سرت القشعريرة في بدنه وهنا عرف أنها بدأت تستسلم لفكرة الموت، فهذه أول مرة تطلب منه هذا الطلب طيلة فترة إقامتها بالمستشفى.
أمسك يدها، أغمض عيناه، وبدأ بالحديث والتفصيل عن الجنة وما فيها.
بعد دقائق من الكلام، فتح عيناه ليشاهد عدد نبضات القلب على الشاشة ينخفض، ومعدل الأوكسجين يهبط تدريجياً حتى أسلمت الروح إلى ربها.

ماتت تسنيم ... ماتت على حُسن الخاتمة.
هذه الفتاة الصابرة لم يتوفاها الله وهي تصلي أو تحمل قُرآناً، ولا وهي قائمةً في مسجد؛ بل توفاها وهو راضٍ عنها ومُثبتاً قلبها على دينه، وما ابتسامتها إلّا بُرهاناً على أن جوارحها خاليةً من النفاق، أحبت لقاء الله وأيقنت أنها ستلاقي عندهُ أكثر مما تمنته وحلُمت به.



لا يسمح بنسخ المحتوى دون ذكر صاحبه أو مصدره جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة لصاحب القصة و لا يمكن نسخ محتواها و إعادة نشره دون إذن من صاحبه.
الاسمبريد إلكترونيرسالة