-->
U3F1ZWV6ZTE4NDE0OTExMTZfQWN0aXZhdGlvbjIwODYxNTU3MzE4
recent
أخبار ساخنة

قصة قصيرة بعنوان" خذلان أب" بقلم منال نواصري


خذلان أب

قصة  قصيرة بعنوان" خذلان أب"
قصة  قصيرة بعنوان" خذلان أب"


جلس فوق كرسيه الخشبي الهزاز يحدق بسقف المعمل كطفل عديم الحيلة، بقي قلقه مضطربا يأبى الانصياع لترجياته الملعونة، يصر على التشبث بذيل الأيام. راح يطالع كراسيه المصنوعة من سعف النخيل الأسمر فهي كنزه الباقي. تهاطل وابل العبرات من عينيه المحمرتين احمرار الغسق القاني، والجفون الثكلى شيعت دمع الأرماق في جنازة صامتة ونحيب مكتوم، آملا في كل مرة أن تغسل عبراته غبار الذكريات العالقة على الكراسي المرصوصة، وتلافيف الحلم العذري غارقة في مستنقع الأمل الباكي.
مد يديه إلى صندوق الصور المنقطعة المعبقة بالعنبر وأعواد القرفة، يشتمها وينتشي لبعض الدقائق قبل أن يلتف حبل أشواقه حول عنقه الشاحب ويوقظه من سكرته المنتحرة! وها هو ينتفض من مكانه كالمصعوق بالكهرباء، بحركاته اللاإرادية والمتكررة دوما أخرج ساعته المتراقصة عقاربها في كل اتجاه دونما اهتداء كأفكاره التي لا تستقر، يدور ويدور في كل الزوايا كعقرب تقوضها النار فتلسع نفسها عندئذ وتموت، لكنه لم يحظ بالموت  بعد.
أدمى السعف يديه القاسيتين وارتسمت عليهما خرائط مشوهة لا تقوده إلى طريقه المبتغى، صار كل من في البلدة يشفق على حاله، ينتشلون النظرات إليه ليس خوفا منه بل خوفا عليه من نفسه، منذ خمسة عشر عاما فقد عائلته تباعا، ولازال حنينه المرتعش تواقا للقاء ساطع يبدد شبح الفراق عن أيامه ولياليه العتيدة. أشعل المذياع البائس الذي ابتلع صوته هدوء الأركان الصامتة، كانت أغنية الشمعة للراحل "كمال مسعودي" ونيسه الحزين.
لطالما كان سيد علي رجلا صعب المراس، غليظ الطباع، متحجر العقلية، لكنه أحب بنيه حبا جنونيا موسوما بالشدة  في بعض الأمور، أحبهم بالرغم من كرهه لزوجته اللئيمة التي لم يكن يريدها لولا إصرار والده وتفريقه بينه وبين حبيبته، حتى هو كان ضحية أب شديد غير متفهم، حبيس العادات والتقاليد المشؤومة، خمسة عشر سنة وهو يجهل أراضي فلذات كبده، كان عمر أكبرهم عشر سنوات حين أخذتهم أمهم وذهبت بهم إلى اللامكان، تاركة إياه يتخبط كصريع غارق تتقاذفه أمواج الصبابة والألم، كل ما حظي به صور لهم مرسلة بلا عنوان، تغيضه وتذكي نار فؤاده الملتهبة.
خرج إلى الحديقة الصغيرة حيث نبتت زهور الجازانيا والمارغريت دونما أن يعتني بها أو يسقيها، ربما بعض الأشياء لا تحتاج إلى رعاية كي تزهر كهذه الأزهار، كأولاده تماما.
إمتطى صهوة الانشراح المؤقت وعقد العزم على تصويب مساره الملتف التفافة سوداء، سيبحث عن أبنائه، بين صفحات العناوين الضائعة، والحظوظ النائمة.
وها هو قد انطلق مندفعا كسجين قضى من العمر ما قضاه في سجن عتيق، بوصلته دقات قلبه المبعثرة، بحث في كل مدينة وقرية، بين وجوه المارة، تتلاطم أفكاره ووساوسه داخل عقله وقلبه، تموج في كل حدب وصوب، عيل صبره من  تناقضاته الكثيرة، البعض يظنه مجنونا والبعض ينصحه بالتوقف عن البحث العقيم، فمن المستحيل أن يعثر عليهم في اتساع هذا العالم، أما هو فيستمر واصلا حبل الرجاء، فربما يصرخ أحدهم من بين الجموع قائلا: "أبي"، أو يأتي شخص ما ويقول: " يا عم أبنائك في انتظارك" لكن جانبه المظلم يشاركه تخيلاته مقاطعا: "ماذا لو لم يعرفوك؟، ماذا لو رفضوك؟".
بعد ثلاث سنوات...
انحنى سيد علي كسنبلة مثقلة بالخيبات ليلتقط قطعة الخبز الواقعة منه، شيخا هزيلا مفزع
الملامح، عثر أخيرا على أبنائه، على الغرباء الذين ألقوا به إلى دار العجزة.
كرهوا أباهم الذي أخبرتهم أمهم أنه لا يستحقهم، أنه أساء إليهم وإليها، أنهم يستحقون أبا
أحسن منه. هكذا توجت سنوات الشوق والفراق بالجفاء والخذلان المرير.

لا يسمح بنسخ المحتوى دون ذكر صاحبه أو مصدره جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة لصاحب القصة و لا يمكن نسخ محتواها و إعادة نشره دون إذن من صاحبه.
الاسمبريد إلكترونيرسالة