U3F1ZWV6ZTE4NDE0OTExMTZfQWN0aXZhdGlvbjIwODYxNTU3MzE4
recent
أخبار ساخنة

قصة قصيرة بعنوان " فريدة " بقلم: نهيلة بالدي


 قصة قصيرة بعنوان " فريدة " بقلم: نهيلة بالدي

قصة قصيرة بعنوان " فريدة " بقلم: نهيلة بالدي
قصة قصيرة بعنوان " فريدة " بقلم: نهيلة بالدي

إنها حقا فريدة !..
تستيقظ صباح هذا الاثنين على الساعة الخامسة صباحا.. وهذه عادتها.. تغسل وجهها وتتناول فطورها في وقت لا يقل عن عشر دقائق، ثم ترتدي تنورة خضراء باهت لونها وقميصا سماويا تغطيه البلوزة المدرسية.
ليست كغيرها من بنات جيلها اللائي تتزين بالمكياج وترش طيب العطور! بل تظل على طبيعتها.. كما هي في المنزل كما ستلمحها في الشارع.. لا شيء يتغير.
تفتح الباب وتغلقه دونما أن تزعج أفراد عائلتها وهم في قاع الأحلام، فتخرج لتجد علي بائع النعناع يطوف بحوانيت المنطقة، وعمر المعلم الذي درسها في الابتدائي_ والذي لا تطيقه لاستهزائه بالبنات اللواتي يلتحقن بالمدرسة_ متوجها إلى مكان عمله فتنظر إليه نظرة استهزاء.
كيف لا تفعل؟ وهي في التاسعة من عمرها تدون في مكون التعبير والإنشاء أنها ستسعى إلى أن تكمل دراستها وتصير محامية تدافع عن المظلومين، فسخر منها وصرح بأن أمثالها ما أن تحصل على شهادة الابتدائي ترسل إلى بيت زوجها.. وها هي الآن في صف الباكلوريا "السي عمر".
تتجاوزه لتخطو في الطريق وحيدة لا صديقة لها ولا رفيقة، فبنات منطقتها تخلفن عن الدراسة، منهن من تزوجت ومنهن من تجلس في المنزل تغزل الصوف وترعى الأغنام وأحيانا تحاكي الدجاج وتشكي له همومها.. لتظل هي الأنثى الوحيدة التي تمردت على هذه العادات المشكلة إيديولوجيا مترسخة كالفرض في أذهان ساكنة منطقتها حتى القرن الحالي. فأصرت على أن تواصل مسيرتها الدراسية دونما أن يتدخل في قراراتها أحد.
- انظر يا صديقي، تلك فريدة.. البنت الوحيدة في "دوارنا" التي تتابع دراستها الثانوية. يقال إنها في الباكلوريا على ما أظن.
- يا للعيب، إنها فعلا وسمة عار علينا..
تسمع الحوار الدائر بين هذين التلميذين ولا تهتم بالرغم من صوتهما المرتفع قصد بلوغه إليها.
قد تقول: أوليست هي الأنثى التي ثارت وواجهت ما أكبر من هذا الموقف؟ أين قوتها في هذا؟
إنها تعلم تماما أنها لو تجرأت وردت عليهما سينعكس ردها سلبا عليها، خاصة وأنها لم تصل بعد إلى  ثانويتها التي توجد في الحاضرة الفاصل بينها وبين منطقتها خمسة كيلومترات تضم طريقا كاد يكون فارغا من كثرة التعثرات والحفر التي تملؤه لولا مرور عربات الدواب وشاحنات نقل البضائع والبهائم..
بعد تعب طويل تصل إلى الثانوية فيتحول تعبها هذا إلى حيوية وفرح.. ستدخل القسم وتتابع الدروس التي يلقيها أساتذتها، وتتواصل مع أصدقائها المتعطشين إلى العلم والمعرفة.
يدق الجرس، فيتحول بريق السعادة في عينيها إلى ما يقارب الحزن.
ستعود بخطواتها إلى الطريق عينه الذي يتخيل إليها وكأنه متاهة عقارب وثعابين إذا قطعته دون أن تتأذى فازت بحياتها. وهذا ما يحدث بالفعل.. تتنفس الصعداء.. لكن منزل من ذا الذي تقف وتتأمل بابه الخشبي القديم؟
إنه منزلها الذي ورثته عن والدها بعد وفاته، فعاشت فيه وجدتها والغالي عمها الذي أحضر زوجته وأطفاله الخمسة بعدما خسر كل ثروته في القمار. وقد كان شخصا صعب الإقناع، فبعدما حصلت على شهادة الابتدائي حاول أن يمنعها من الالتحاق بالثانوية الإعدادية لاعبا دور ولي أمرها –مع أنه على علم مسبق بأن والديها وهما على قيد الحياة كانا يشجعانها على أهمية متابعة الدراسة التي حرما منها- فسجنها في المنزل. لكن بذكائها الذي تفوقت به عن نظيراتها من بنات "الدوار" استطاعت أن توصل خبر سجنها هذا إلى "القايد"، فما لبث هذا الأخير أن حضر والدرك الملكي برفقته لإنقاذها، لكنها نفت الخبر لشفقتها على أبناء عمها الصغار بشرط أن لا يتدخل عمها في حياتها.
تفتح الباب فإذا بها تتفاجأ ب"العربي" الجار وأمه مرحبة بهما زوجة العم ب "براد أتاي" وحلوى السوق الأسبوعي فوق المائدة.. تلمح فريدة القفة المليئة بالخضر والسكر فتعلم أن مجيئهما هو من أجل طلب خطبتها طالما أنها البنت الوحيدة في العائلة. فتسير باستقامة إلى غرفتها دونما أن تلقي التحية، ليسطع التعجب والاستغراب على محيا العربي وأمه، والحرج على زوجة العم.
تغلق باب غرفتها بشدة.. يعم هدوء تام في أرجاء المنزل .. يسمع بعد ثوان صوت مرتفع يستظهر:
- الحرية هي إمكانية أي شخص كيفما كان على اتخاذ قرار أو غيره دون أي جبر أو شرط أو ضغط...
ينصرف العربي وأمه حاملين قفتهما بعد فهمهما المقصد من تصرفها هذا، لتظل في غرفتها الصغيرة تتأمل صورة والديها، وتقول: لست مثلهم.. لست بفكرهم.. سأحقق حلمك يا أمي.. سأحقق حلمك يا أبي.

لا يسمح بنسخ المحتوى دون ذكر صاحبه أو مصدره جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة لصاحب القصة و لا يمكن نسخ محتواها و إعادة نشره دون إذن من صاحبه.
الاسمبريد إلكترونيرسالة