-->
U3F1ZWV6ZTE4NDE0OTExMTZfQWN0aXZhdGlvbjIwODYxNTU3MzE4
recent
أخبار ساخنة

قصة طويلة بعنوان" الحية الميتة" بقلم الكاتبة منال قراق

قصة طويلة بعنوان" الحية الميتة" بقلم الكاتبة منال قراق 

قصة طويلة بعنوان" الحية الميتة" بقلم الكاتبة منال قراق
قصة طويلة بعنوان" الحية الميتة" بقلم الكاتبة منال قراق 

رغم السنوات العجاف التي مرّ بها قلبها.. مازال ينبض وينبض!
مازالت تحكي لي قصّة حبّها كما لو أن فيها جديد، وجديدها دوما يكمن في كونها تذبل وتذبل.
مازالت تحكي لي تفاصيل عشقها الغير مكتمل بنفس الحريق، بنفس اللّوعة والشوق، بنفس البريق والشغف، بنفس النشوة.. وأخيرا وليس آخرا بعد أن أغرقتها إلى حيث أصبحت لا ترى غيمة لا تهطل مطرا, بدأت تحكي ألم الوجع  بنفس الوجع، والمصيبة أنها مازالت تتحرّى شغف الإهتمام في ملامحي بالإنصات لِمَا تروي, وأنا بالرغم من أني أحفظ تسلسل النقاط قبل الحروف في قصّة هيامها قبل أن تبلغ جدار الإدراك بالكلام عندها، ليس لأني كنت شخصية ميكروسكوبية في كواليس مسرحها بل لأني مجرّد مستمعة وفية لبطلة واقع اسمه الحية الميتة, إلا أنِّي مازلت أتعامل مع الخبز كما لو أنه كان ساخنا وأُخرِج من الفرن لتوِّه.
من ما لم يأكله غبار الذاكرة رغم السنين الكافرة، من ملحمة صديقتي، من درج كنت قد خصّصّته لطفلتي حتى إذا كبرت غدا وأرادت أن تعرف ما الحب؟ كانت لها في جميل الحب وسُمِّه هذه السّطور وصيّتي .

الحيّة الميّتة:
سأبدأ قصّتي بجملة راقت لي، قرأتها ذات مرّة عندما زرت المملكة المستغانمية

  " أعتذر للذين أحبهم جدّا ودائما ما أبدو في ثوب من يحبهم أقل".
 لو كنت أستطيع  أن أراه كل صباح كنت سأسأله نفس السؤال (ألم تتعب؟)، كان سيقول لماذا أوعلى ماذا.. إنّها عادته لا يلتقطها وإن كانت بين يديه.
 ألم تتعب من إفراطك في ملاحقتي في وحدتي، ومعاملتي على أنّي شفافة إلى حدّ العدم حين لقانا؟
 أتعبني حبّي لك الذي لم يكتمل بك، أتعبني حتى قام هوسي بك مشفقا عليَّ منك, مختلقا شبحا أكلّمه كلما احتجتك..
 بل قل كل وقت، شبح لا أراه إلا أنا. لم يُتعبني تهامس الناس عليَّ بالجنون حين أكلِّمه أو أبادره البسمات بقدر ما أتعبني هوسي به مع علمي أنه ليس أنت.
 هل يرضيك أنَّ قصتي معك حين وحدتي وصلت إلى وقت تطلّقنا فيه وحصلتُ أنا على حضانة أطفالنا؟ بينما لا أزال حين يقرصني المرّ واقفة عند استفهام أنك لا تراني!
 بين الحقيقة والحلم اختلقت لنفسي عالمًا ثالثا إسمه "أنتَ"، في العالمَيْنِ الأول والثاني فعلتَ ومازلت تفعل بي ما تشاء.. أما في" أنتَ" فكلّ ما يحدث أُقرّره أنا.
 قصّة حبي يا من أعطيتك البطولة فيها دون أن تعلم، ستبقى تنسج نفسها في الظل ما لم تسمع  إشارة انطلاق الحب من كلينا.. وإلى ذلك الحين الذي يسطّر فيه القدر نهايتها ستبقى ملحمَة أنفرد ببطولتها مع شبحك.

   متى أحببت حبيبي؟
الأمر كلّه بدأ بنظرةٍ من عيونِ ذاك الأسمر
جعلتْ قلبي في دوّامةٍ من العواصفِ يأسر
نظرةٌ هزَّت عظام فكِّي فابتسم
غباءُ عاشقٍ على وجهي ارتسم
هناك فقط عرفتُ أنَّه صدفةٌ ولا يُلتقى
عرفتُ أنَّ العشق مُقدَّر ولا يُنتقى
صرتُ أمشي وأقبِّلُ الجدرانَ التي حولي
تفاصيلُ وجهِ حبيبي عليها أمَلي
بِتُّ أُغنِّي لعبد الحليمِ عن الحُبِّ
قرأت للقبّاني كيف يدقُّ القلبُ
كبريقِ عيونِ طفلةٍ عند رؤيةِ غزل البنات
في رؤية حبيبي تكمنُ عندي الحياة
وَطني، غُربتي، وَسَمائي
أُكسجيني، دِفئي، ومَائي
ملَّكتنِي الدُّنيا بينَ أصابِعِي الخمسة
يا من دخلتَ حياتِي خِلسة
لو سألتَنِي عن معنى السَّعادة
لقلتُ مذ جَعلتَ كتفكَ لي وِسادة
يا ليت أمَّكَ يا حبيبي أرضعت بناتَ الوجودِ
كي لا أغارَ عليكَ من ابنة مَوجود
إسألنِي يا سارق النَّومِ من عينِي
كيفَ عند لُقياكَ يتغيَّرُ لونِي
كنتُ الحسناءَ التي لم ترمش عيونها لأحدٍ
إذ بكَ تعميها عيوني يا ابنَ البلدِ
اِنعَتنِي بقلّة الحياءِ إن شئتَ
ولكن متى سنتزوَّج.. لنجتمِعَ معًا في بيتٍ؟
فهناكَ فقط أجدُ نفسي التي ضيّعتُها في هواكَ
وما كنت فعلتُ ذاكَ لولاكَ
سأتعلمُ الطَّبخَ في القريبِ العاجل
أعدك بأنِّي لن أرمِيَ المُتبقيَ من الأكل في المزابِل
سأوفِّرُ من أجلِ مستقبلِ الأولاد
صالحةٌ وعودي فقط إن أنتَ قمتَ، فأغلقتَ قلبك من بعدي وعليّ وحدي بالأصفاد
لا يهمُّ في أي فصلٍ من الفصولِ
ولا يهمُّ إن عجّ الصمتُ أو علت أنغامُ الطبولِ
فمطرُ الشِّتاء يرشقُ العشاق برومانسية بلا حدود
مزيجٌ هي بين هوليوود وبوليوود
و لونُ وردِ الرَّبيع
يضفِي على الحُبِّ ذوقًا بديع
لا تخف يا حبيبي من لسعةِ حشرات الصَّيف
فهي ستختفي بسرعة الطَّيف
لا سِيَمَا إن كان العُرسُ على رمالِ البحرِ أين تلتقي الأمواج
لتخبرنا كم هو فانوسُ الحبِّ وهّاج
صعوبات العشق يا أسمر، ستسقط مع أوراقِ الخريف
مبعدةً عنَّا شبَحَ الظَّلامِ المُخيف
المهم أن نحلّق بالخواتم لنحطَّ الرِّحال بعدها في سماءِ غرفةٍ واحدة
مجتمعين كأسرة حول مائدة
أنا الزوجة المجنونة وأنت بلوة حياتي
ملاذي الآمن حتى مماتي

 العلم سهّل على الإنسان حياته لدرجة أنّه أصبح بإمكان أي إنسان بسيط وعادي أن يقتلع كلمة مستحيل من جذور قاموسه، حتى الزمكان بخصوص أغلب الظواهر في الحياة أصبح  يمكن التنبُّؤ به بل تخطى التنبؤ ليشغف بالتحكم حتى مكنه الله عزّ وجلّ ببعض منه.. لكن الزمكان عزيزي الإنسان يطير زمام أمره من يديك أيًّا كنت عند بلوغه أمران اثنان، أولهما: الموت فقد يموت الفتى ويحيا العليل، وما يتسنّى لحولنا غير ندب الراحل وتجميل تربته لعدم قدرتنا على سماع صرخته بإناء ماء أو إكليل, أما الثاني فهو الحب، تحترق داخله دون أن تشعر، بل تشعر ولكن ليس بلهيب جمر بل بنشوى ولادة جديدة، ولادة تُنسيك كيف تتنفس، رغم أن التنفس فطري ولم يعلمنا أحد إياه!
  كنت لأقول أحببته منذ الصغر، ولكني لن أكذب.. لأنني تنفسته منذ الصّغر .
 بالنسبة لابنة مدينة أهل أمها وهو ابن خالها من الريف، كان يعني لي الهدوء. بقي صديق طفولتي العزيز الذي كنت ألجأ إليه إلى أن بلغت، وبلوغ الفتاة في ديننا ومجتمعنا يعني ابتعادها عن كل ما له علاقة بالشباب, مثلما كانت تقول لنا أمي: لا تلعبي مع الأولاد! لكن المشكلة أن بلوغي في ذاك الوقت لم يكن جسديا عقليا فحسب، بل كان قلبيّا لدرجة لا توصف فإن كان في السنة 365 يوم وأنا كنت أبلغ حينها ما بين 13 إلى 14 سنة فأكون قد رأيته لحد الآن في 35652 حلم.. أي كل ليلة وفي كل حلم.
 كالحلم في الحقيقة وكالحقيقة في الحلم، هكذا ظلّ معي لسنوات .
 في طفولتنا تراشقنا بالوسائد في بيتهم لأنه لم يزر بيتنا إلا مرّات قليلة، تنافسنا على قطف الزهور وتشكيل أجمل الباقات في حديقة بيتهم الساحرة، عشقتُ الفراشات لأني لم أكن أعرف إلا شكلها وتلك هي حياة المدينة، كان يجمعها في أكياس ليحرّرها حولي بعدها...
منذ كنت طفلة وفي زمن قريب مضى، كنّا نذهب عند جدّي الذي كان يقطن مع أخوالي الثلاثة ببيوتهم المتفرقة والمتجاورة، وكانت خالتي التي ربّت ابن أخيها الذي تماديت في حبه حتى تنفسته متزوجة في نفس المدينة، ولكم  كانت المسافة التي كنا نقطعها كي نصل إلى بيتها ممتعة بالنسبة لي و لبنات خالاتي الأخريات، فقد كنّا نمشي وأمهاتنا بخطوات ثملة بين بساتين البرتقال, نلثم عطر هذا الأخير ونرسم أحلامنا بلونه. كانت خالتي هذه تملك أبقارا عرَفتُ طعم حليب البقر منها، أبقارٌ كانت تبقى رائحتها على ملابس أهل دارها لمّا كانت تُعلّق بجانب مرقدهم، رائحة أخذها أنفي كرائحة فاكهة جديدة.
 تعلّمت الحياة من مدارس ثلاث: أمي، خالتي التي ربّت أنفاسي، والحياة.
  الثلاثة يشكلن مثلثا تعتلي رأسه أمي: حفظت دروس أمي منذ الصغر، ولكني بدأت توّا أفهم الدرس تلو الآخر بفضل الحياة، الحياة التي كلما جعلت أمي تقسو علينا في طريقة تفهيمها للدرس تدخّلت خالتي التي كانت حياتي ستكون ناقصة إلى حد كبير بدونها.
خالي البكر أعطى لأخته العقيم طفله الثاني كي يحافظ على سقف أسرتها، وطفله الثاني هذا هو نفسه حبي الأول الذي تضيف له أنفاسي كونه الأخير أيضا.  
 لأنه لم تكن لدينا سيارة، كنّا نمضي فترة لم تكن بالقليلة عند جدي, نذهب ونراه، كان المسكين يملك غرفة صغيرة بجانب الباب الرئيسي لمسكن بكره والتي نجد بعدها مسكنين لخاليَّ الآخرَيْن. خالي الأوسط متزوج من ابنة عمته التي أشارت له خالتي الكبرى بها، وطبعا ولأن جدّي لم يكن على وفاق مع شقيقته المذكورة بسبب سوء تفاهم حدث في الماضي، فقد كان معترضا على هذا الزواج وبقي كذلك إلى سنين طويلة, لنقل إلى أن توفيت جدتي ولم يكن لديه إلا سبيل ابنة أخته التي لم يكتب لها الله إلا ولدا وحيدا.
 بالنسبة لخالي الأصغر، كانت أول قشة يضعها في عش زوجيّته عندما أطفأ شمعة الخمسين، أي قبل ثلاث سنوات وشهرين وستة أيام من بلوغ اليوم الأسود.

تابعوا قراءة القصة من هنا

 
الاسمبريد إلكترونيرسالة