-->
U3F1ZWV6ZTE4NDE0OTExMTZfQWN0aXZhdGlvbjIwODYxNTU3MzE4
recent
أخبار ساخنة

قصة بعنوان " ثقب النجاة" بقلم خيري فتحي


قصة بعنوان " ثقب النجاة" بقلم خيري فتحي  

قصة بعنوان " ثقب النجاة" بقلم خيري فتحي
قصة بعنوان " ثقب النجاة" بقلم خيري فتحي

  تتلاطم بنا أمواج الحياة و تأخذنا يمنة ويسرة ، وتهوي بنا إلى قاع مظلمة في أحايين كثيرة لا نستطيع الخروج منها ، وربما نتخبط في هذا المستنقع الموحل الذي تنصبه لنا أنفسنا و تتشابك مع آلام الحياة الكثيرة لتشكل نسيجا من العزلة  والإحباط واليأس ولولا رحمة الله ، وذلك الخيط الذي يرسله لنا لكي يتسلل بين ذلك النسيج المظلم ليفجر ينبوع الأمل وتزهر تلك الروح من جديد وتنمو تلك الورود الذابلة على ربوة اليأس وعنفوان الحياة ، وهذا ما جعل بعض الشموع تسلط نورها الخافت على جمال
  كان لجمال طموحات كبيرة بعد تخرجه من الجامعة ، وبعد أن أنهى دراسته فيها فقد قرر أن يشق لنفسه طريق الصعود في دروب الحياة الموحلة ، وهو كما أراد فقد استحق وظيفة في التعليم وأصبح أستاذا ، وها هي الوظيفة قد أتت  إليه لم يبق له سوى أن يبحث على زوجة تعينه على صروف الدهر وتقلبات الحياة .
  وكما قيل الحب كالأشباح قليل من يصادفه ، كان جمال من بين القلائل الذين صادفوا الحب والتقى بالفتاة منى في الجامعة ، وكانت أفكارهما متشابهة الى حد كبير في بناء لبنات المستقبل ، و تلوينها بألوان زاهية يسودها الأحمر و يتخللها الزهري بين جنباتها ، ولم يمض وقت طويل على استلامه الوظيفة حتى تزوج بالفتاة التي كانت تبعث في روحه حلاوة الحياة وتزيد في قلبه هرمون السعادة خاصة وأنّ منى كانت فتاة بشوشة متفائلة محببة للنفوس قريبة للقلوب...
  وقد استقر الزوجان في الطابق الثاني من البيت العائلي ، الذي كان مكون من غرفتين وحمام ، حيث اتخذه جمال كملاذ للعيش فيه خاصة وأنّ شراء بيت    بالنسبة لشخص مازال في أول طريقه يعد حلما بعيد المنال،  يحاول تحقيقه رغم كثرة الأقفال .
  نشأ جمال تنشئة مادية صرفة فقد كان والده ميسور الحال ، يعمل في  ترميم وبيع الأثاث المستعمل ، فهو يجمع هذا الأثاث من هنا و هناك ثم يقوم بإصلاح ما اعوج منه و طلاؤه لكي يبدو في حلة جديدة ، ثم يبيعها متقاضيا أجرا بسيطا يصد به أمواج الحياة العاتية والتي تزداد ضراوة يوما بعد يوم ، ذلك أن الأولاد يكبرون وتكبر معهم أعباؤهم ، وكيف يصل إلى توفير حاجاتهم الأساسية وتوفير لقمة العيش وسد هذه الأفواه البالغة من العدد ستة .
  كان والد جمال في يوم من أيام الصيف الحارة يجلس في المحل ينتظر رزقه كعادة ما مضى من عمره ، وهو يردد دائما في نفسه مقولة :" الباب مفتوح و الرزق على الله " ، حتى جاءه جمال يحمل معه الغداء و يعينه في أمور المحل خاصة وأنه كان كبير إخوته ، فوضع المائدة أمام أبيه وأخرج له الغداء وصب له الشاي وجلس بجنبه يسمع منه ما يخالجه من حسرات وهموم ، وما يراوده من أماني لعل القدر ينسجها له في القريب الآجل.
  وقد كان كل حديث والد جمال عن المال و كيف يوفره لتلبية حاجيات أسرته، وهذا ما ورثه له أبيه من وجوب المحافظة على ما يقع من دراهم في جيبه ، وأن يحسب لها ألف حساب قبل إنفاقها ، وقد لصقت في ذاكرته ما كان والده يكرره دائما " عندك يا بني قرش تسوى قرش ، معندكش ماتسواش " ، وكان دائما يحدثه على ما يملكه فلان من عقارات ، وما يتباهى به عليه من سيارات، وهو بالكاد يجد لقمة العيش ، وفي بعض المرات يلعن فيها هذا الحظ العاثر وكيف وصل به الحال إلى هذا الحد .
  حتى إذا ذهب جمال إلى البيت وجد والدته منشغلة في أمور المنزل وما أكثرها من انشغالات في وسط هذه العائلة الكبيرة ، فقد كانت أمه لا تكاد تجلس من تبعات المنزل ، وتراكمات العيش المضنية يدق بجانبها كل ذلك مسمار الفقر و مطرقة الحاجة الملحة ، وكانت إلى جانب تلك الأعباء تحث أولادها على التعلم ، وتلجأ للضرب أحيانا لتغرس في نفوسهم بذرة المواصلة من جهة ، و منفسة عن نفسها من جهة أخرى ، رغم كونها لم تدخل المدرسة ولم تتعلم فهي تعرف جيدا ضرورة العلم وكيف أن أهله يصلون إلى وظائف ذات دخل جيد يستند به صاحبه على ملمات الدنيا وخطوب الحياة ، وهذه الحقيقة لم يعرفها جمال إلا عندما كبر ، فقد كانت تطلب منه معاونة إخوته في أداء واجباتهم التعليمية وهي تقف فوق رؤوسهم مستمعة لهم ما يقولون ، حتى سألها جمال عن فكرة أشكلت عليه فردت له قائلة : "يا بني أنا لم أدخل المدرسة في حياتي ، وقد كنت أدفعكم للتعلم وأحثكم لبذل الجهد لكي تحققوا طموحي ، وهو أن تصلوا لعمل يكون لكم سندا في الحياة " ، وهنا وقف جمال حائرا يفكر هنيهة في دور الأم و كيف أنها أعظم مدرسة في الحياة ، فهي تعطي بدون مقابل ، وتعلم بدون علم ، وتسقي تلك الأشجار الميتة بماء معرفتها هي ، التي تنافس بها معرفة المدارس وكبيرات الجامعات .
   تتظافر تلك الخيوط والينابيع لتشكل لنا ذلك البناء ، وتقوِّم لنا تلك الروح ليحيا كل شخص مختلفا في طريقة تفكيره ، وأسلوب حياته ، مرسخة فيه عقائد وملصقة به أفكار تصبح جزء من طريقة تفكيره ، وخيوطا خفية تتحكم في عواطفه ومشاعره وحركاته وسكناته، وهذا ما حصل لجمال فقد أثرت فيه تلك الحاجة الماسة ، وذلك الفقر الذي كان قد أثر على أسلوب عيشه ، وما كان يبثه له والده من أمور تتعلق  بالماديات ، وأنها أساس العيش ، فهو بذلك بنى فيه جانبا واحدا وترك جانبا آخر فارغ بدون بناء .
  ولأن الحياة لا تسير دائما كما نريد ونبتغي ، فقد التحق جمال بكلية الاقتصاد بعدما فشل في تحقيق مراده وهو الالتحاق بكلية الصيدلة أو الطب ، وبعد أن تخرج لم يجد وظيفة في مجال تخصصه ، فاضطر لمزاولة التعليم ، رغم بعد هذه الوظيفة على مقر سكناه بحوالي مائة وخمسون كلم ، وهو ما جعله يبيت كل أيام الدراسة في المدينة التي يدرس بها، حيث كان الكراء فيها شبه مستحيل لغلاء أسعاره وارتفاع تكلفة الحياة فيها ، وبعد زواجه قرر ابقاء زوجته في منزلهم العائلي ، وتكلّف هو عناء السفر ونهشات أضراس الحياة القاسية ، التي تطبع في من جاء بين فكيها ندوب ، وتغرس بين طبقات الألم آلام أخرى حري بالدهر أن يمحوها  أو أن يتعودها فتختفي الآلام وتذوب في القلب لتنبت شجرة اليأس وتورق بأوراق التعاسة وتسقى بماء الكره ، ويصبح فيها كل جميل ظلام دامس ، ووراء كل أمل نوافذ مغلقة  تحجب ذلك الضوء الذي يدخل ذلك الأمل .
  وبعد عامه الأول من الزواج  رزق جمال بمولوده الأول ، وأصبح مسكنه الذي يسكن فيه لا يكاد يكفيه هو وزجته و ابنه ، بالإضافة إلى أن زوجته منى قد بدأ ينقلب حالها من تلك المودة والبشاشة إلى ابتسامة خافتة شاحبة مغلفة بستار العناء وبثور الشقاء ، فقد تركت والدة جمال كل أعباء المنزل على زوجته منى ، وبالإضافة إلى أمه كانت هناك أخواته أو ما بقي منهن ، فقد تزوج منهن اثنتان        و بقيت ثلاثة ، وكان جمال هو الولد الوحيد في أسرته .
  لقد كانت الأيام الأولى من زواجها جميلة وادعة هادئة لا تمر فيها إلا رياح الصبا   والعشق والسكينة ، وكانت بين الوقت والآخر تجول في ذهنها تلك الأيام التي قضتها مع زوجها في أوقات الخطبة ، وكيف كان ينظر إليها ممسكا يديها الناعمتين ومحدقا في عينيها العسليتين متأملا فيها ، ويشم ذلك العطر الذي ينبعث من جسدها وتلك الموسيقى التي تخرج من فمها ، وتتذكر كيف كان دائما يطلب منها قبلة تشفي وتطفئ بعض آثار حبه لها ، وكيف كانت تصدر الضحكات الجميلة كجمال       وجهها وتقابله بالرد ، وتطلب منه التريث و أن كل شيء سيناله بعد الزواج ، وأن الصبر وحده كفيل بإطفاء خلجات الحب وحرقته ، فيتذكر الزوجان و يضحكان على هذه اللحظات التي طبعت في ذاكرتهما ولن يمحوها شيء إلا الموت .
  وبالإضافة إلى تحمل فراق زوجها طيلة أيام الأسبوع ، وأعباء الأسرة ، ودورها الجديد كراعية لابنها الصغير ، كانت تتحمل أيضا ضربات من الكلمات الموجعة اللاتي كنّ يصدرنها أخواته الماكثات في البيت ، فقد كنّ يشعرن بفراغ كبير  ويمررن بخواء عاطفي يتخلله شبح العنوسة ، وما يترتب عليه من ضغوط نفسية قاتلة لمن يستكين لها ويسمع لأفكارها الصامتة خارجيا القوية داخليا ، المهلكة جسديا ونفسيا ، وكان متنفسهنّ الوحيد هو الفتاة منى زوجة أخيهم جمال ، فهنّ يلقينّ في إثارة المشاكل معها إلهاء لهنّ ، وأمرا ينسينّ به ما يدور في قلوبهن من آلام  نفسية تصبح جسيمة عندما تتغذى من أفواه المجتمع وألسنته التي لا ترحم صغيرا ولا كبيرا متزوجا أو عانسا ، وكل يسمع إلى الصوت الذي يطيل السوط الذي يجلده ، فقد كنّ إذا سمعنّ بنتا من الأقارب قد تزوجت أو من إحدى صديقاتهنّ يثير في نفوسهنّ غيرة مدمرة ، وانطفاء لأشعة النور الذي كان يبعث ويصدر صوت الأمل بتغير حاضر قريب و مستقبل مليء بأوراق ورود فل وقرنفل وياسمين .  
  تحملت منى عاما كاملا من قطرات الحب وأشواك العشق ، التي ما خبرتها من قبل ، وقد كانت تفرغ كل هذه العواطف الحزينة عندما تذهب لبيت أهلها ، فتفرغ ما فاض من كأس الألم في سكون تام وتبث في روحها بعض رائحة عطر زوجها       ونغنغات ابنها الصغير الذي يرسم داخل ذلك الحزن ابتسامة نابعة من مصدر صاف سلسبيل.
  كان جمال يتحمل تلك الظروف القاسية لعلها تأتي بشارات بفرج قريب ، وكان رغم إيمانه بلغة الأرقام التي لطالما تعامل معها وخبرها أيما خبرة ، لم يدع لنفسه وقتا للتفكير والإيمان والدعاء ، لما طبعه عليه والده من جهة ولما خبره هو نفسه من جهة أخرى ، وكما قيل المشاكل لا تأتي فرادى ، فبالإضافة للعمل البعيد وضيق السكن وتكفله بإعالة أخواته وزوجته ، طرأ عليه طارئ آخر فجر داخل تلك النفس نهر من الحزن وقهر من ضربات الزمان التي لم تكتف بتحطيم عظامه فقط بل تعدته إلى شرايينه و قلبه ، ذلك أن زوجته منى لم تتحمل ما كانت تسمعه من عائلته وتصرفات أخواته ، فقد قررت ترك هذا المنزل الذي أصبح في الآونة الأخيرة مصدرا للبؤس و نبعا للشقاء ، وقد قررت عدم الرجوع إليه ما لم يوفر لها منزلا خاصا بها  وبعد عودته من عمله وجد غرفته خالية من روحها و مصدر سعادته الوحيد ، هذه الغرفة التي لطالما عرفت ضحكات صادرة من القلب وشعورا بالمحبة ومدادا من الحنين الذي لوّنها وطبع فيها زخرفات المرح والسرور وأضاءها بقنديل الحب الذي ما ظنه يوما سينطفئ.
  لقد أحب جمال زوجته منى حبا أقل ما يمكن أن يقال عليه أنه كبير، جعله رغم كل ما ألمّ به من ملمات ، يحاول أن يتغلب عليها ويفكر بالأساليب المختلفة التي تخرجه من هذه الأزمة ، وتحل عقدة هذه المصيبة ، وكانت منى الداعم الأساسي له في كل هذا ، أما الآن وقد رحلت منى وأحاطت به المصائب من كل حدب فما له من طريق يسلكه ، وكذلك الأمر الذي طلبته منى فهو صعب إلى درجة المستحيل وهنا بدأ دبيب اليأس يتسلل إلى روحه الخاوية ، وتسيطر عليه فكرة كانت تأتيه في بعض الأيام الحالكة ، ولكن منى هي من كانت تقف بجانبه وتزيح مثل هذه الأفكار، فقد اسودّت الحياة في وجهه وبدأ يقارن نفسه بأصدقائه ، وأن أحوالهم تزداد تحسنا يوم بعد يوم ، أمّا هو فحاله من سيء إلى أسوء ، وهكذا هو ميزان المقارنة فهو دائما يرجح للآخرين بينما كفته تنزل لأن عقله في تلك اللحظة يخرج له أسوء الأشياء الموجودة ، بل وكل العيوب يصبح  مغنطيسا لها .
   أحس جمال بالاختناق من وجوده في غرفته ، وبدأت كل الأفكار المظلمة تنصبّ عليه صبّا كلّما أغمض عينه ، وهذه نقطة الصفر ، نقطة وصوله للقاع الذي لطالما كاد أن يلمسه ، أمّا في هذه اللحظة فهو يقبع فيه ولماذا العيش ؟ سؤال طرحه على نفسه عدة مرات فلم يجد جوابا له ، بل وجد الأفكار التي تسانده ، فالموت أيضا حل يقول في نفسه وانتصار على هذه الأزمات ، وهزيمة قد أحس بها ، فأن يهزم اليوم خير من أن يهزم غدا.
  وبعد كل هذه المشاعر القاتلة وفكرة الموت لاحت بين عينيه قرر أن يخرج إلى الشارع ، و يفكر في طريقة لوضع حد لهذه الحياة البائسة رغم أن الوقت كان متأخرا والظلمة تملأ أرجاء المكان ، أسند جمال ظهره على الحائط متأملا في النجوم مودّعا لها لعله لن ينظر إليها بعد يومه هذا ، وهو سابح في هذه الأفكار العاتمة كعتمة الليل الذي يجلس فيه ، فإذا بجمال يسمع خطوات تقترب منه ولشدة الظلام لم يستطع جمال من أن يتبيّن ملامح هذا الشخص الذي شعر به وكأنه يسعى خلفه فازدادت دقات قلبه ، وتوقف عقله عن التفكير وجاءته ومضة نشطت فكره وقال في نفسه لعلّه الموت الذي كنت أطلبه .
  اقترب الرجل من جمال وخاطبه كأنه شخص يعرفه وبلغة الواثق قال له: يا جمال الفرج قريب وهاك مفتاحه، مدّ جمال يده وهو باهت لم يحرك ساكنا ، ولم يعي بعد ما جرى ، رنّت هاته الكلمات في أذنه رنينا حادا ، ووقعت عليه وقع البرق الذي يضيء بقوته كل من حوله ، ويبدّد ذلك الظلام المحيط بجنبه ، ويبعث في الهواء تلك الشحنات الكهربائية مغيّرة طبيعة الأشياء ، ومبدّلة السلب إيجابا والقلب الميِّت حيّا ، وبفعل تلك الصعقة التي جاءت على حين غِرّة لم يعرف من أين أتت وما مصدرها، وتلك الكلمات التي ألقت على روحه بردا وسلاما ، وأيقظت في ذلك الجسم جانبا لم يعرف إليه طريقا منذ أن وجد في هذه الحياة التي لا تعترف إلا بشيء واحد فقط ، فكل إنسان يقاس بما عنده من مال ونظرة المجتمع أكبر مدعم لهذه النظرية التي غلفت جميع القلوب بحديد منصهر .
  صعد جمال إلى غرفته وهو باهت شبه مغمي عليه ، فقد أقبل على أمر جلل أراد به كتابة نهاية قصته البائسة ، فإذا به يدبر على أمر عظيم لم يعرف كنهه ولم يتبيّن مدى قوته وأثره على نفسه بعد ، وأنه سيغير حياته ويسد تلك الفجوة التي كانت دائما تشكل موطن الخلل ومبدأ التعثر والسقوط ، وعندما دخل إلى غرفته وضع تلك الورقة على الطاولة ، وترك جسمه يهوي على فراشه بكامل قواه ، هذا الفراش الذي كان له بمثابة النار المتأججة التي تحرقه في كل موضع وضع عليه أحد أعضاء جسمه ، وتذكره بكل حرقة ألّمت بها حياته ، ونام قرير العين هادئ البال كأن تلك الكلمات التي ألقاها عليه ذلك الشخص ، أو تلك الورقة التي أمسكها ولم يعرف ما هو مكتوب فيها أو محتواه بعد ، كأنها تحتوي على دواء له وعلاج لما أحاط به من مشكلات .
  وهكذا مكثت منى في منزل أبيها تاركة كل الذكريات الجميلة ، والأحداث التي لوّنت حياتها بكل الألوان الزاهية ، وأيضا لقد تركت نصفها الآخر الذي لطالما أحبته وجعلت منه الصديق والأخ ، فكلّما تذكرته انهمرت الدموع وسالت الأحزان ، ترى هل هو يأكل ، تقول في نفسها ، وماذا يأكل ،هل أكله ساخن أم بارد ، هل ثيابه مغسولة أم متسخة ، هل هو مريض وهل يشكو من شيء ...ولكن في اللحظة نفسها تتذكر ما نزلت بها من ظروف قاسية ، و موجات عاتية تسقط عليها كل يوم، بل كل لحظة في بعض الأيام ،  وهي الآن بين نارين نار المحبة من جهة ، وأية محبة؟ فقلبها قد تركت نصفه وروحها قد محيّت من جسدها ولم يبق فيها إلا الحزن الذي جعلته رداءا لها ، ومن جهة أخرى هي لن ترجع إن لم يستطع أن يوفر لها ولابنها الصغير مكانا خاصا بهما ، وهي تعرف جيدا أن ظروف زوجها ليست بالحسنة لكي يوفر لها ما طلبته ، وكذلك الأمر قد خرج من عندها و أصبح في يد والدها الذي أقسم على جمال إن لم يوفر منزلا خاصا به فلن يجمعهما سقف واحد قط.
  استيقظ جمال من نومه العميق وهو لا يعلم كم ساعة قضّاها نائما ، وكم وقتا كان غائبا عن وعيه من شدة التعب وتراكم الأحداث و المشكلات ، ولم يتذكر إلا ما قاله له ذلك الرجل والورقة التي أعطاها له ، آه الورقة !! أسرع جمال إلى مكان الورقة التي وضعها فوق الطاولة وفتحها ، وكانت تلك المفاجأة ، فقد انبعث منها نور إيماني قوي ووجد مكتوب بين أسطرها يا جمال " الاستغفار يحل الأقفال " ، تعجب جمال مما قرأ ولم يفهم شيئا، فهو طيلة حياته لم يتوجه إلى الله في حل مشكلاته لا باستغفار ولا غيرها من العبادات الأخرى ، وأنه كلما أشكلت عليه مشكلة أو حلّت به مصيبة توجه إلى عقله يبحث فيه عن الحلول ، والتي كان في عقله أنها كانت تحل كلها بالمال و المال فقط  ، عندئذ ذهب جمال الى الحمام وفتح الماء البارد ووقف تحته يغسل جسمه وقلبه في آن واحد ، لعله يستفيق من جحيم انصياعه لعقله وكيف صوّر له أنّ المال هو الحياة وأنّ المادة غلفت جميع أحاسيسه ومشاعره ، وكيف نسي أو تناسى أنّ هناك ربّا مصرّفا للأمور ولكن باتخاذ الأسباب أيضا ، فلولا الدعاء والاستغفار والرجوع إليه في كل أمر والاستخارة ستفسد حياة الإنسان أيضا وتؤول إلى العدم كما حدث له بالضبط .
  وبعد خروجه من الحمام البارد وتدبره في أحواله ، رأى موطن الخلل في حياته        ومبعث السموم  القاتلة ، أخرج ورقة وقلما وبدأ في كتابة كل المشكلات التي واجهته ووقفت عائقا في تقدمه ، فرتبها من الأقوى على نفسه  إلى الأخف ثم بدأ بكتابة الحلول ورسم طريقا له بين الأنقاض ، ولكن هذه المرة لن يغفل عن منبع العطاء ودرب السعادة وبوصلة الطريق ألا وهو عبادة الله  بكل جوانبها والتركيز على الاستغفار كما طلب منه ذلك الرجل الذي لولا كلماته تلك لكان هو غير موجود الآن فرتب أموره ثم انقلب سريعا الى سجادته وصلى بعض الركعات وشكى الى الله كل الهموم وبكى حتى أفرغ كل ما في صدره من يأس وقنوط وإحباط ، و بدأ يستغفر متخذا عادة جديدة آلا على نفسه أن لا يتركها أبدا .
  عندما بدأ جمال هذه الخطوات لم يكن ينتظر من الله شيئا فهو يعلم جيدا أنه قد تخلى عليه في كل أطوار حياته ، ولكنه يتعامل مع الرحمان وستأتي بشارات الخير قريبة كان أولها انزياح كل تلك الهموم التي كانت تمطر أوحالا تغلق كل منافذ حياته وتصرف عنه كل الخير ، وشعر بسعادة كبيرة تغمره ونسي ما كان يعانيه من أوجاع وعاش جوا ملؤه الخضوع ، و طهر نفسه بماء الاستغفار وفاضت عليه أنهار العطاء وفرجا قريبا غيّر الألم فرحة وسعادة ونشوة إيمانية خالصة.
   وكان من أول الحلول التي يجب أن يعمل عليها هي أن يستعيد زوجته منى وولده ولكن كيف السبيل إلى ذلك ، فقد قرر أن يستلف مبلغ من المال يوجهه لكراء منزل مكان إقامة عمله و يأخذ معه زوجته وابنه ، وهو الآن قد حل مشكلة السكن من جهة ومشكلة البعد والسفر المضني من جهة أخرى ، وقرر في نهاية كل شهر أن يبعث لوالديه جزء من راتبه لكي يستعينوا به ، وكانت هذه أول بذور الاستغفار الذي كان بالنسبة له منذ ذلك اليوم تغيرا جذريا طرأ على حياته .
  لبس جمال لباسا أنيقا وتزين كأنّه متّجها الى حفل زفاف أو أنه هو العريس في حد ذاته ، فقد كان ذا هيأة جميلة ووجه أبيض وعينان براقتان وشعر أصفر ، فقد أخذ من اسمه كل نصيبه ، وحمل معه قالبا من الحلوى واتجه الى بيت والد زوجته كأنه يريد خطبتها من جديد ، وقد راوده نفس الشعور عندما جاء خاطبا لها وهو محمر الوجه خجلا من التقدم الى أبيها، وعندما وصل إلى الباب طرقه طرقات خفيفة كعادته ، وكانت منى قرب الباب في تلك اللحظة ، ففتحت له وكانت مدهوشة من رؤيته وهي التي خالت أنها قد فارقته للأبد ، فقد كانت وجهها شاحبا وشعرها مربوطا بخمار لم يفارقها منذ أن فارقت هي جمال ، وذلك الفستان الذي تلبسه والذي صبت عليه وعلى نفسها جام قلقها وبؤسها ، عندما رأته خجلت من مظهرها أمامه وهو في كامل أناقته وزينته.
  دخل جمال إلى غرفة الضيوف وسلم على منى ووضع قالب الحلوى فوق الطاولة وسألها عن ابنه الذي لم يره منذ وقت ليس بطويل ، ولكن التغيّب عن الحبيب ولو لوقت قصير يخيل إلى نفسك أنك فارقته منذ أمد بعيد ، ولم يطل جمال الكلام مع منى وقال لها أخبري والدك أنني هنا، فطارت منى مسرعة إلى أبيها لتخبره بأن زوجها هنا ، وذهبت هي تقوِّم حالها وتلبس أفضل ما لديها من ثياب وتمشط ذلك الشعر الذي توقفت وقتا لكي تصلحه وترجعه لحالته السابقة ، وكذلك اعتنت بابنها وجهّزا نفسيها لرؤية الحبيب الذي طال غيابه ، وفي النفس أملا بالذهاب معه وأخبار سارّة ينتظرونها لعلها تبعد عنهم سحابة الفراق وترجع لهم نور الاجتماع و اللقاء.
  حكى جمال لوالد منى ما قرّر عمله بشأن الانتقال من بيتهم العائلي الى المدينة التي يعمل بها ، مخففا على نفسه مشقة السفر وعلى زوجته ألم البقاء لوحدها ، فسرّ والدها بهذا الخبر وأسرع في مناداة منى مبشرا لها ، دخلت منى على جمال بهيئة غير الهيئة التي لقيها بها ، وجلست بقربه وهي تحمل ولدهما ، فقبّله جمال وعانقه عناق المشتاق ، وأمسك بيد منى وقبلها قبلات حارة تنم على الاشتياق والحرقة معا ثم قصّ عليها ما جرى له من أحداث كادت تؤدي بحياته وكيف خاض معركة مع نفسه ، وذاك الرجل الذي دلّه على الجانب المهمل من حياته ، وكيف بدأ في تطبيق حكايته مع الاستغفار ، ورأت منى شخصا غير الذي كانت تعرفه معجبة به متأملة فيه ملتمسة التغيرات التي زيّنت حياته .
   وبعد أيام قليلة سافر جمال ومنى إلى المكان الذي يعمل فيه ، حيث وجد شقة فاستأجرها وقضى مع بعضهم البعض عاما كاملا في هذه المدينة الجديدة متخذين قانونا جديدا في حياتهما معتمدين على الله وعلى مفتاح الاستغفار،  الذي يدني البعيد و يفجر أنهار الخيرات ، حيث شارك جمال في مسابقة للتوظيف في منصب راق في الدولة ، وبالفعل نجح فيه وترك مهنته الأولى ، وارتقى كما كان يحلم بالضبط ونال الوظيفة التي تتوافق مع دبلومه الذي تخرج به ، وأصبح محاسبا عاما في وزارة المالية يتقاضى أضعاف ما كان يتقاضاه ، ووفرت له الوزارة سكنا خاصا به ، ولم ينس جمال أهله وأغدق عليهم بالنعم ، وأخرجهم من ظلمة الحاجة إلى نعيم وملذات الحياة .
   وظل جمال هكذا ينهل من نعيم الاستغفار ، والخيرات تتهاطل عليه من كل حدب وصوب ، وهو يعلم علم اليقين أن كل شيء عدى غذاء الروح واتصالها مع ربها سيضيع ويندثر ، وأن الاستغفار هو ثقب نجاته وقارب حياته الذي أخرجه من الغرق واليأس و الفناء ، وأصبح هو بدوره يدلّ كلّ من بلغ به اليأس مبلغه بهذا الدواء الناجح كما دلّه عليه من قبل ذلك الرجل الذي لن ينساه ما بقي حيا، وبذلك تغيرت نظرته للحياة وكذلك نظرة زوجته لها، وآليا على نفسيهما تربية ابنهما تربية يكون فيها التوافق والاعتدال هو سبيله ، والاستغفار هو نوره ودليله.


لا يسمح بنسخ المحتوى دون ذكر صاحبه أو مصدره جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة لصاحب القصة و لا يمكن نسخ محتواها و إعادة نشره دون إذن من صاحبه.
الاسمبريد إلكترونيرسالة