-->
U3F1ZWV6ZTE4NDE0OTExMTZfQWN0aXZhdGlvbjIwODYxNTU3MzE4
recent
أخبار ساخنة

قصة قصيرة بعنوان "شَمْبَرَةٌ" بقلم السيد راشد الوصيفي

شَمْبَرَةٌ

قصة قصيرة بعنوان "شَمْبَرَةٌ" بقلم  السيد راشد الوصيفي
قصة قصيرة بعنوان "شَمْبَرَةٌ" بقلم  السيد راشد الوصيفي

======================
" شمبرة عبد العاطي" بينما كنتُ في نومٍ عميقٍ، صحوت مفزوعاً، ووقفتُ أستطلعُ المنَادي .. بادرني : أأنتَ شَمبرة عبد العاطي .. قلت : نعم، يا أفندم  ..
رَدَّ قائلاً : البس ميري وكنْ جاهزاً، فالسَّيد المأمور لكَ طالبٌ .. رجعتُ ارتدي لباسي الميري الأزرق، والأملُ يُداعبُ أفكاري، مُتسائلاً :
-              ربما عرفَ هؤلاءِ أخيراً تقديري، وسيقدمون أسفهم لي، ويخرجونني من هنا .
وعندما خَطَتْ قدمَاي خُطوةً راحتْ أفكاري تسابقهما، تذكرتُ اليابانيين والصينيين وبلادَ الغَربِ وتقديرَهُم للعِلمِ والعُلماء، وتبجيلهم للخبراءِ فما أجملُ بلادَ الحُريةِ والنورِ ؟
فحينما اختاروني ضِمنَ الخُبراءِ الذين يحضرون مشروعَ تخرجٍ لطلابِ المرحلةِ الثانويةِ، وجاء دور طالب يعرض مشروع تخرجه، وهو مجسم لطائرة حربية لا عهد لشكلها عندي من قبل، ووسط ساحة العرض، استدعى الطائرة من أمامنا؛ فتحركتْ للخلف ونزلتْ للأرضِ وأخذتْ مدرجها بسرعة بعدما لفت يميناً ويساراً وها هي تطلق وميضاً من الأنوارِ متقطعاً آخذة في الصعود والهبوط واللف والدوران والتقلب، واطلاق الأدخنة والصواريخ والمفرقعات البلاستيكية، وعمل مناورات عسكرية لاجُستية مُحكمة، كنت أتابعها محملقا عيني، وقد جف حلقي ولم استطع بلع ريقي الجاف، كنت كمن يركب الطائرة؛ فأصابني دوارٌ شديد ..
نادى عليّ السَّجان وأشار قائلاً :
-              قف هنا ..
فوقفتُ حيث أشارمشبكاً ذراعي، منتظر الدخول على السيد المأمور، وألقي التحية بتبجيل واجلالٍ لشخصه الكريم. وما أن دلفتْ قدماي للداخل، استشعرتُ بالأمل قد فرد جناحيه الحانيين، فقد كان قلبي مُشبعاً بالحُب والشكر والامتنان .. نظرتُ لسيادته نظرةً يملأها العُجب، وكان في حديثٍ مع الضباطِ وقد التفَ حوله رجالُ الباحثِ في هيئة الجِّد والاهتمامِ، وتقع عيناي على صفوف من شنابر مصفوفةٍ على مكتبهِ .
بعدما أشعل سيجارته، نفخ نظرةً نحوي كما نفخ دخان سيجارته ... قائلاً :
-              من عمل كل هذه الشنابر ؟!
أحسستُ بالفخر والتيه بل وبالعُجب، وقلتُ :
-              أنا ..
-              فردَّ بتؤدةٍ قائلاً : ... لماذا ؟ّ!
حينها شممتُ رائحةً غير محببة في نظراته؛ فضم الأملُ عندئذ جاحيه في نفسي وقلتُ : كان النزلاء بالعنبر الذي أنا فيه لم يجدوا ما يقطّعون به الخضار لإعداد الأطعمة؛ فما كان مني إلا أن قدمتُ خبرتي كمدرب مخترع مستخدما بعض مواد البيئة، بداية من حدوة حديدية كانت في كعب حذائي، وقطع بلاستيكية، وبعض أغطية مفاتيح الكهرباء الخربة البالية ؛ فندت منه صرخةٌ؛ ارتج لها أركان المبنى كله، ووقف الحضور وقفةً عسكرية مع ضرب الأرض بأقدامهم جميعاً وكأنما هي ضربة واحدةٌ، أدركتُ أنَّ صفارة الإنذار تعقبها ...
فانبرى قائلاً بصوت أسدٍ هصور :
-              يوضع منذ اللحظةِ في سجن انفرادي لا يرى النور .
خاب ظني، وعدتُ معهم مُكبلاً بالسلاسلِ والأغلال، وادخلوني زنزانةً قذرة نتنة مترين في متر ونصف المتر، قبرٌ لاح لي كالقبور التي ناظرتها يدفنون فيها الموتى تحت الأرض، حينما كنا أطفالا نحدق بعيوننا وقوفاً على فوهة القبر حينما يدخلون الميتَ فيه برأسهِ، فترتعد فرائصُنا، حمدتُ الله أنهم أدخلوني بقدميّ لا برأسي ..
يأتيني التعيين من تحت عَقِبِ البابِ، رغيف خبز أسمر وقطعة حلوى وقطعة جبن بدلاً من اللحم في أيامٍ متفرقات، كم كنتُ سعيداً مُغتبطاً حينما أقضم قطعةً من رغيف الخبز الأسمر وألوك معها قطعةً من الحلوى، ولا يراني أو يسمعني أحدٌ .
كانت أفكاري تملأ الكون كله، والكون شاسعٌ بأفكاري في رأسي، فتركتُ رأسي للكون باتساعه، وجسمي للزنزانةِ وضيقها وللنوم فقط كأنني ميتٌ؛ فأصحو من النوم متجهاً بأفكاري لليابان والصين وبريطانيا وفرنسا، وللطبيعة الخلابة والمروج الخضر والبحار والمحيطات والأنهار، كم سرتُ وأنا على هذه الحال في حدائق زاهرةٍ، وسمعت أذناي تغريد البلابل وزقزقة العصافير فوق أغصان الأشجار الندية، وحفيف الأوراق، وخرير الماء، كم هي سيمفونية الحياة التي أودعها الخالق الطبيعة التي هي صُنعتْ للبشر ..
كنتُ أقول لنفسي : لماذا لا تشبه العصفورَ فعشُهُ كحجمهِ، والدودةُ في جحرها بحجمها، فما فائدة الاتساع والتبذير والفخفخة ..
بينما أنا في أفكاري البطليموسية والأرستطاليسية، تقضمُ أسناني شيئاً صلباً مع مضغ رغيف الخبز الأسمر؛ فأجده مسماراً بحجم الثلاثة سنتمترات؛ لعنتُ الخُبزَ والخَبْازَ، كَمَا لَعَنْتُ الإهمالَ واللامبالاةَ، مُتسائلاً :
-              ماذا حدث لو بلعته ؟
وها أنا احتفظ به لا لنفسي، ولكن لأقدمه للسيد المأمور، دليلاً على ما نحنُ فيه من إهمالٍ في صناعةِ الخُبزِ، والتبذير في الثروة الحديدية، فكم مسمارٍ أُهدرَ بالخبزِ نتيجة لهذا الإهمالِ .. ؟!
تراجعتُ عن فكرتي حتى لا أدخل مرة أخرى برأسي، الذي لا يكف عن الصُراخ، متسائلاً :
لِمَ لا يكون المعولَ لخرق هذا الجدار، كما تصنع الحشرات والقوارض، لماذا لا أعيش حياة الحشرات والدود، وأصنع لي نفقاً في الجدار، لماذا أفكاري دائماً رديئة لا تمت لمصلحتي بصلة، أين ما تعلمته وكنتُ خبيراً في الاختراعات، حتماً أنا مُخترع فاشل، ألم تقل لي أمي يوماً : " الغَّزالةُ بتغزل برجل حمار " ... نعم .
وأخذتُ المعولَ وشمرتُ عن ساعدي، وبدأت أفصلُ بينَ حباتِ الرَّملِ حبةً حبةً، حتى دخلَ شُعاعٌ من نورٍ من خلف الجدارِ، وكان نفقاً لعبور الصراصير والديدان، حسبتُ أنها كانتْ تصنعُ صَنيِعي مِنْ خَلفِ الجِدَارِ، تُعَبدُ لهَا الطَّرِيقَ، وتحفرُ لها أنفاقاً لتجد لها كِسرَةَ خُبزٍ مما يأتيني كُلَّ يومٍ .
يا إلهي .. أخذتُ أعملُ باتقانٍ وبتحدٍ وإصرارٍ، حتى رأيتُ حُشوداً من القوارضِ والفئرانِ، اتخذتْ  لها طَريقاً مُعبداً يتسعُ لحُجُومِها، ومع العملِ المتواصلِ، فقدْ مدّدتُ جِسمي وشَفَطُتُ بَطني وخَرَجْتُ، وكأنَّمَا الزَنزَانةُ وَلَدَتني مِنْ فَتحَةٍ كَانَتْ تَسْتَخْدِمُهَا لِلْبَوْلِ ... !!
=================

لا يسمح بنسخ المحتوى دون ذكر صاحبه أو مصدره جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة لصاحب القصة و لا يمكن نسخ محتواها و إعادة نشره دون إذن من صاحبه.
الاسمبريد إلكترونيرسالة