U3F1ZWV6ZTE4NDE0OTExMTZfQWN0aXZhdGlvbjIwODYxNTU3MzE4
recent
أخبار ساخنة

قصة بعنوان " رحلة على بساط الأمل." بقلم حميد الديب


 رحلة على بساط الأمل.

 رحلة على بساط الأمل.
 رحلة على بساط الأمل.


كان الفصل صيفا، وقد أشرقت الشمس لتوها منذرة بيوم حار؛ أخدت قلمي أراجع بعض المواد الدراسية لأن امتحانات نهاية السنة في انتظاري، لكن حر اليوم أفقدني تركيزي، فلمحت على يميني هاتفي الذكي، تناولته وبدأت أتصفح مواقعه الإجتماعية قصد الترويح عن النفس، فإذا بالأخبار تتساقط تِبَاعاً؛ خبر وراء خبر؛ بعضها حقيقي والبعض الآخر مزيف، وبين كل هذه الأخبار -أضاءت شمعة في الظلام - استوقفتني قصة حقيقية لشاب ثلاثيني كانت مفعمة بالحب والتضحية والتحديات؛ وأحيانا بالقسوة كذلك.
" ولد عمر ورأى النور بإحدى الدواوير القروية في قمم جبال الأطلس الكبير، ترعرع في جو عائلي ملئ بالحب الحقيقي البعيد -كل البعد- عن التزيف؛ ورغم الظروف المادية المزرية -كباقي أغلب عائلات القرى المنسية- إلا أنه تربى على الأخلاق الحميدة والأمل الدائم في الحياة.
ارتاد المسجد في أيام صباه بحكم كون والده فقيها وإماما للمسجد، وفي ظل غياب وسائل الترفيه أصبحت حياة عمر وأقرانه روتينية بين ارتياد المسجد واللعب في قمم الجبال.
بلغ الطفل سبع سنوات فكان من حسن حظه أن بُنيت حجرة دراسية آنذاك، وبين تردد أهل القرية في إقدامهم على بعث أولادهم للدراسة من عدمه، كان عمر أول الملتحقين بها لفطنة من والدته وإصرار منها؛ درس بها عامين قبل أن ينتقل إلى موقع آخر في جبال الأطلس بالمقربة من الطريق الوطنية  لأسباب صحية لوالده.
استكمل الطفل المرحلة الإبتدائية وحصل على شهادتها، ما خوله متباعة الدراسة الإعدادية بمدينة ورزازات، وهنا بدأت المشاكل تتفاقم بشكل كبير؛ ومن يدري قد تكون بداية ازدهار جديدة؛ المهم أن الطفل إضطر لتقلّد منصب أكبر من سنه وسافر وحده نحو المدينة للتسجيل والبحث عن مكان للإيواء والمأكل، وبعد مد وجزر... سجل عمر أخيرا بإحدى الثانويات الإعدادية، كما التحق بإحدى دور الطالب، وبين شغف للغد الأفضل واشتياق لحنان الأسرة الصغيرة مرّت حياة عمر حتى أتى نهاية الموسم الدراسي بأخبار سارة بنجاحه، لكن لم يدم واقع الخبر كثيرا حيث اصطدم قلب الصغير بموت والده، الخبر الذي زعزع كيان الأسرة وموازينها؛ تاركا الجميع في حيرة والكل يتسأل كيف ستكون حياة عمر ومعها حياة أسرته؟
بدأ الموسم الدراسي الجديد، فسافر عمر برفقة خاله نحو مدينة مراكش، ورغم الصعوبات والإكراهات التي وجدها من زملائه هناك، خاصة بعد فقدانه لأحد أعمدة الحياة، إلا أنه واصل ولم يتوقف؛ بدأ الوعي يتشكل لديه وبدأ يعلم أكثر من ذي قبل أنه على مقروبة من إصابة الهدف.
انتهت المرحلة الإعدادية وحصل عمر على شهادتها، وبنفس الوتيرة وبشغف أكبر واصل الشاب المرحلة الثانوية ونال شهادتها بميزة عالية، ما خوله ولوج المدارس العليا.
ولج عمر إحدى المدارس الوطنية للتجارة والتسيير أو ما يصطلح عليها ب ENCG ؛ فأصبح حلمه يتحقق شيئا فشيئا، لكنه اصطدم بواقع مر من جديد، وبظروف قهرية خاصة بعد عدم توصله لمنحته المادية، ما جعله يعيش القهر والفقر وهو يحاول شق جبال الحياة نحو الأمل والغد الأفضل؛ وصدق فيه قول الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي:
ومن يتهيّب صعود الجبال
                      يعش أبد الدهر بين الحفر 
فحاول عمر بما أوتي من قوة لصعود الجبال دون تردد، فجد واجتهد وحاول مرارا وتكرارا دون التفكير في الإستسلام، مرت الأيام والليالي؛ بقساوتها وليونتها؛ بأحزانها وأفراحها؛ ورغم ما تعرض له عمر إلا أنه أصبح شامخا وثابتا ولم يتزعزع كيانه أمام عواصف ورياح الحياة قط.
سخر نفسه للعلم، وضمه إليه العلم بعد أن رأى فيه ولدا وشابا ورجلا وفيا له.
تخرج عمر في سنته الرابعة مكرسا مبدأ "من جد وجد ومن زرع حصد"؛ لتُفتح له أبواب الحياة بمصراعيها من جديد، ليتخطى الحياة الدراسية ويدخل غمار الحياة المهنية؛ وما بين تجربة وتجربة أصبح عمر مستقيم مديرا للخدمات في إحدى الشركات المتعددة الجنسيات والمتخصصة في مجال التكنولوجيا.
ويصبح اسمه اسما على مسمى؛ فهو من استقام على الطريق ليصبح الغد الأفضل الذي يحلم به اليوم وقعا حقيقيا؛ تاركا لنا قصص وعبر في حياته التي لم تنتهي بعد ..."
انتهى كل شيء وأنا لازلت شارد الذهن أسترجع شريط حياتي للوراء أتذكر بعض النقط المتشابهة بيني وبين عمر؛ وتارة أخرى أرى نفسي على بساط الغد الأفضل ... وبين كل هذه الأحلام والهواجس؛ إذا بصوت الأم تناديني لتناول الفطور؛ أجبت: لاحقا حال ما أنتهي من واجباتي المدرسية يا أمي؛ تركت هاتفي جانبا وانغمست بعدها في الكتاب وكلي يقين بأن تغذية العقول أولى من تغذية البطون

لا يسمح بنسخ المحتوى دون ذكر صاحبه أو مصدره جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة لصاحب القصة و لا يمكن نسخ محتواها و إعادة نشره دون إذن من صاحبه.
الاسمبريد إلكترونيرسالة