-->
U3F1ZWV6ZTE4NDE0OTExMTZfQWN0aXZhdGlvbjIwODYxNTU3MzE4
recent
أخبار ساخنة

قصة قصيرة بعنوان" لقاء مر" بقلم هبه محمد علي


لقاء مُر

قصة قصيرة بعنوان" بقاء مر" بقلم هبه محمد علي
قصة قصيرة بعنوان" بقاء مر" بقلم هبه محمد علي


كنت أعيش في غيابها مفترشاً شوقي ولهفتي على أمل اللقاء، إلا أن حنيني إليها يقضُ مضجعي بإشعاله نيران الهوى في دواخلي، كما أن الصدفة التي تجمعني بها أحياناً، تبدد مقاومتي وتدُك حصونَ صبري، فعند رؤيتها كان الفرح يزيد قلبي خفقاناً وحباً، وكانت رغم بعدها وجفائها  أقرب إليَّ من الكون و ما فيه، ودائماً ما أُشجى دواخلي بعزفي مقطوعات الشوق لها، لأني واقعاً في حبها حتى أخمص مشاعري بدرجة  لم يعد بإمكاني استيعابها ولا يمكنني تحمل المزيد منه..
عندما وقفت  في مدخل الشارع الذي يضم بيت والدها ذلك اليوم ورأيتها، بقدر شوقي لها كانت المفاجأة و كأن روحي عانقت جسدي بعد طول خصام، بدأت أعيني بالالتماع  و أوصالي بالارتجاف، وكأن الأرض من تحتي تميد، وأحاسيسي تجاهها كعصافيرٍ ترفرف حولي مالئةً الكون سعادةً وبهجة  ، وفي حينها كأن أحزاني وأوجاعي تلاشت دون أثر، عشت طيلة الفترة الماضية  وأنا أُبعد إحساس خوفي من عدم رؤيتها بالأٌمنيات، وها هي حقيقة أمامي...!!
عندما وقع بصري على محياها، اهتز جسدي من جيشان مشاعري نحوها، وانتفض قلبي لرؤيتها، فقد ازداد حُسنها  وتضاعف حتى ضاق به الوصف، واكتنزت به جوانبها حتى كاد يصرعني ...
تقدمت نحوها بعد أن جاهدت نفسي وجرجرت قدماي اللتان انغرستا في الأرض رافضتان الحركة خوفاً من أن يكون هذا مجرد حلم، وأنها ليست موجودة..!
كانت ابتسامتها البراقة تضئ ثغرها  وضياؤها يحتضن لهفتي التي فضحتها نظراتي  وهي تقترب مني بوجل، وانا أكاد أركض نحوها يدفعني الشوق...!
التقينا أخيراً  وكنت أظن أن المسافة بيننا تتسع ولا تتناقص ، كان اللقاء بطعم حنين الأمس وأمل الغد..
لم أجرؤ على احتضانها أمام الناس، لكني أصبو لفعل ذلك ...
مدت يدها كي تصافحني، كنت أرتجف خوفاً من ردة  فعلي إذا ما تلامست أيادينا...!
-هل تود الجلوس؟ أرى أنك منهك..
كان صوتها عذباً كترانيم القداس..!
أومأت لها بالإيجاب فقد استنزف تدفق مشاعري نحوها كل قواي...
-هل تمانع في الانضمام إلي واحتساء كوب من القهوة معي؟
-كلا لا أمانع، أنا أود ذلك حقاً..   
تحركنا جنباً إلى جنب ناحية منزل والدها الذي قضت فيه طفولتها وصباها، وبعض إجازاتها بعد أن تزوجت...
لم يكن المنزل غريباً بالنسبة لي فقد كنت اتردد عليه دائماً في صغري فقط لرؤيتها ، رغم ذلك لم ألقِ بالاً للتغيرات التي حدثت به فكل ما يشغل بالي هو حضورها الذي طغى على إحساسي بالمكان والزمان،  جلست على الطاولة في الحديقة بعد أن أغدقت علي بعبارات الترحيب الودودة، رغم أن الوقت كان عصراً والجو صحواً إلا أن جسدي كان يبلله العرق من تأثير قربها الشديد...
تركتني وذهبت لتحضير القهوة، تبعتها عيناي بلهفة وخوف من عدم عودتها،، حتى اختفت في مدخل المنزل ، لم أود أن ألتفت لرؤية ما حولي حتى لا تفوتني لمحة منها عند عودتها...!
انفرجت أساريري وانا أراها تخرج من باب المنزل متقدمة نحوي، صرت أُحدق كأنني أراها لأول مرة ويتم افتتاني بها من جديد...!
كيف لي أن أُسيطر على ابتسامتي وهي تضع صينية القهوة على الطاولة وتجلس بالقرب مني؟
لقد مر أكثر من عامين منذ آخرة مرة التقيتها فيها، وكعادتي  في كل مرة نلتقي بعد غياب تتجدد لدي مشاعر الافتتان والوله..
بدأت بصب القهوة وحركت أناملها بخفة لتُذيب السكر في فناجين القهوة، وكأنها تحرك دوامات وشِيم المحبة داخلي وتُذيب ما تبقى من صمودي وتجلُدي ..!
أنا لا أُحب القهوة مطلقاً، لكني أود قضاء الوقت معها والتمتع بالنظر إليها وهي ترتشف قهوتها بحب..
قدمت لي فنجاناً وجلست تحدثني بكلمات لم أفهمها لأني كنت منشغلاً بالرعشة التى سرت بجسدي من جراء تلامس أيدينا..
-رائد، أنا أتحدث إليك ألا تسمعني؟
-بلا أسمعك ، لكني أتمعن حديثك..
أخبريني هل أنت سعيدة في حياتك؟
تلفتت قليلاً فقد كان السؤال مباغتاً ونظرت مطولاً في فنجان قهوتها وهي تتململ:
-لن أكذب عليك وأخبرك بأني أعيش حياة طيبة، كما تعلم فقد تزوجت في عمر صغير برجل ليس بالسئ، لكنه ليس مناسباً لي، أتفهمني؟
-امممم
كيف أخبرها بأني أنا الأنسب إليها؟
-اممم ماذا يا رائد؟
-تعلمين أني أفهمك قبل أن تتحدثي ، بمجرد أن تخطر الأفكار في رأسك أكون قد علمتها دون أن تترجميها إلى كلمات..
تنحنحت بضع مرات وحركت خصلات شعرها التي انسدلت على وجهها وباغتتني بالحديث:
-كيف تتخطي أحاسيسي إذاً؟؟ تسبر أغوار روحي وعقلي  لكنك لا تقرأ حبي لك !!
تناثرت القهوة من فنجاني على الطاولة عندما ارتعش جسدي لسماع كلماتها كأن تياراً كهربائياً صعقني، فأنا أعلم أنها تحمل نحوي شعوراً جميلاً منذ نعومة أظافرنا، لكني لم أظنه الحب...!
لا أستطيع أن افرح فقد ازداد ألمي بتصريحها هذا، وتضاعفت مشاعر الأسى بداخلي، كنت أتعايش مع مشاعري نحوها لأني أعلم أنها من جانب واحد، لكن الآن بعد أن علمت بمبادلتها إياي نفس المشاعر...سحقاً!!
كنت أمني نفسي بقضاء وقتٍ ممتعٍ بصحبتها، الاستماع إلى حديثها بصوتها العذب، رؤية تعابيرها الطفولية البريئة ،علّي أُطفئ نيراناً تتأجج بداخلي وأُسجل في ذاكرتي لحظات جميلة من لقائنا هذا تعينني على فراقها حتى يأذن لي القدر برؤيتها مرةً أخرى ،  لكنه الآن بسبب مشاعرها نحوي وإحساسي بخيانتنا لزوجها تحول إلى شيء  مر المذاق قاسي بغيض كأنه الموت..!
تمت..

لا يسمح بنسخ المحتوى دون ذكر صاحبه أو مصدره جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة لصاحب القصة و لا يمكن نسخ محتواها و إعادة نشره دون إذن من صاحبه.
الاسمبريد إلكترونيرسالة