-->
U3F1ZWV6ZTE4NDE0OTExMTZfQWN0aXZhdGlvbjIwODYxNTU3MzE4
recent
أخبار ساخنة

قصة قصيرة بعنوان " قطر الزواج " بقلم خلود أبوالخير ذكري


قصة قصيرة بعنوان " قطر الزواج "

قصة قصيرة بعنوان " قطر الزواج
قصة قصيرة بعنوان " قطر الزواج 

   على صوت فيروز وهي تغني وتقول:(يا طير يا طاير على طراف الدني .. لو فيك تحكي للحبايب شو بني .. يا طير وآخذ معك لون الشجر .. ما عاد في إلا النطرة والضجر...)، وعلى زقزقة العصافير، ورائحة القهوة اللذيذة، وقرصة البرد الصقيع، وقطرات المطر الطفيف، تجلس قمر في شرفة منزلها التي تطل على منظر لطيف ، تلك الفتاة التي في العقد الثالث من عمرها تحظى بنصيب كبير من اسمها؛ فهي تماما مثل القمر في كماله، معتادة كل صباح على هذه الأجواء التي تصنعها لنفسها لتتغلب على ما يواجهها في ذاك العالم المليء بالنغصات، فهي تحاول كل صباح أن تنقي روحها مما قد يعكرها في باقي ساعات اليوم، "قمر" تتحمل رغم صغر سنها ما لا يتحمله ما هو أكبر منها، نعم تتحمل أكبر من سنها.
   فهي في التاسع والعشرين من عمرها وبرغم ذلك عانت الكثير والكثير ممن حولها؛ سمعت كلام يمرض منه البدن ويشحب منه الوجه وتتألم منه النفس وتتعكر منه الروح، وسبب كل هذا وذاك إنها وصلت لذلك العمر ولم تتزوج، بالرغم من أنها ليس لها ذنب في أن تخرجت في كليتها ولم يتم خطبتها كباقي صديقتها، وليس لها ذنب أنها لم تجد الشخص الذي تحمر له وجنتيها وتهتز له مشاعرها..
  "قمر" الكل يلومها بعدم زواجها أو حتى خطبتها إلى سنها هذا، وكأنها بلغت من العمر أرذله.. فلديها أقارب كالعقارب يلدغونها بكلماتهم المماثلة للسم، فهناك من تقول لها: (لماذا تجلسين في بيت أبيك حتى عمرك هذا؟).
وجدتها العجوز التي كلما تراها تقول لها: (يا ابنتي قطر الزواج سيفوتك، وافقي على أي عريس ممن يتقدموا)..
 وإحدى عمتها التي تقول لها: (إلى متى ترفضين العرسان، فمن هم بسنك تزوجوا ولديهم أطفال) .
   لكن كل هذه المقولات لا تؤثر عليها وتتخطها بعدم الانتباه لها ،وإيمانها بأن الزواج قرار لابد له من التخطيط الجيد وعدم التسرع فيه، فهي تعرف الكثير من العلاقات الزواجية التي لم تكتمل بسبب عجلة أصحابها وعدم تأنيهم في اختيار الزوج الصالح، ووضع معايير مادية عند زواجهم، وهذه الحالة كحالة صديقتها "مريم" تلك الفتاة التي فضلت الزواج من شخص مجرد أنه يمتلك الكثير من المال والممتلكات ولكن عندما خسر كل ما يمتلكه في صفقاته وأصبح لا يملك سوى القليل جدا من المال، لم تستطع "مريم" البقاء معه وطلبت الانفصال عنه..
فآنذاك أدركت قمر أن العلاقة الزوجية لم تستمر إلا باستمرار المودة والرحمة بين الزوجين والبعد تماما عن الماديات، والنظر إلى شريك الحياة بعين المحب التي تجعل الشخص يتحمل الآخر في كل أحواله وحالاته.
  وهناك من تدعم قمر على نظرتها هذه وتوافقها في رأيها عن الزواج، ودائما تقول لها:(كوني متأنية في اخيارك لمن يكمل معك طريق الحياة ويتخطى معك تخبطاتها ويعينك على تحقيق ذاتك)، وتلك هي أمها "سوسن" التي تحب ابنتها كل الحب وتحب مكوثها معها أكثر وقت ممكن، كذلك أبيها الحاج "سعيد" الذي ينظر لقمر نظرة الابنة العاقلة المدركة معنى كلمة الزواج والتي تكبر الكثير بفكرها الناضج وليس بعنوستها كما يقال عنها.. الحاج سعيد يمتاز بالروح المرحة فهو يحب الفكاهة والمزح ويخلق لبيته جو من المرح بكلماته الجميلة التي تضفي كل السعادة على روح قمر وأمها .. فكانت مقولة الأب الدائمة لقمر: (أنا أسمي سعيد وبالفعل أنا سعيد بوجودك معانا أطول فترة ممكنة من حياتك، فكيف لي أن يحرمني من ستتزوجينه بأخذك مني) فتعلو الابتسامة على وجه "قمر" وتمزح معه أيضا قائلة له :(من ذا الذي يستطيع أن يحرمني منك فأنا إذا تزوجت سأتزوج معكم في نفس المنزل، وإن لم يعجبه فليبحث عن غيري..) فتعلو ضحكاتهم جميعا، وتلك الروح هي التي تملأ بيت قمر دائما..
   وتمر أيام تلو الأخرى وقمر أيامها كما هي لا يحدث بها أي جديد فهي تبدأ صباحها باللحظات الهادئة كعادتها،ثم ترتدي لباسها الأنيق، وتذهب لعملها في إحدى شركات الأدوية فهي خريجة كلية الصيدلة تعمل في هذه الشركة كمشرف عام على العمال والدكاترة الذين هم تحت التدريب، فقمر تحب عملها وتبذل قصارى جهدها وتخلص له ولا تسمح بأي تقصير فيه، وهذه الجدية هي التي ساعدتها على أن تصل لدرجة المشرف العام رغم صغر سنها، فكيف يكون هناك تقصير في مثل هذه المهنة التي تحتاج إلى المهارة والدقة الشديدة لإعداد الأدوية العلاجية.
 وكل يوم من هذه الأيام وبعد عمل ست ساعات متواصلة تأتي ساعة الراحة لكل العاملين بالشركة تلك الساعة التي تذهب فيها الدكتورة قمر للتناول وجبة الغداء وفنجان من القهوة لتعيد نشاطها لتكمل باقي ساعات عملها، فتذهب هنا وهناك تشرف وتوجه بعض التعليمات والنصائح للعمال وغيرهم من الدكاترة من هم تحت التدريب وهكذا. حتى أن ينتهي يومها وتعود إلى بيتها وتجلس مع والديها تحكي لهم كعادتها ما يحدث في يومها، ثم تقرأ وردها من القرآن وتنام لتستيقظ لعملها في اليوم الذي يليه..
  وقد أتي اليوم الذي لم يأت مثله على قمر، ذاك اليوم الذي ذهبت فيه لشغلها كالعادة، وعندما أتت عليها ساعة الراحة ذهبت لتتناول كوب من الشاي وبه ورقيات من النعناع الأخضر، وإذا بها ترتشف رشفات من الكوب سمعت صوتا يناديها وهو صوت أحد العمال قائلا لها :(دكتورة قمر المدير يريد أن تذهبي له)، فأومأت له برأسها على ذهابها له، تاركة كوب الشاي، واتجهت نحو مكتب المدير طارقة الباب بهدوء داخلة له بوقار ... وإذا بشاب وسيم، ذي شعر ماقط السواد وعينه بنيتان ووجنتيه لامعتان ولدية لحية قصيرة ويرتدي قميصا أبيض عليه كرفتة زرقاء وبنطلون أسود .. كل هذا لاحظته قمر في غضون عشر ثواني لا أكثر..
 كما أنها شعرت أن تلك اللحظة التي رأت فيها هذا الشاب توقفت فيها عقارب الساعة عن المرور ؛ لتوثيق تلك اللحظة الغريبة التي شعرت بها لأول مرة، نعم لأول مرة؛ فهي لأول مرة تحدق في شخصا هكذا، لأول مرة تدرك شخصا بكل تفاصيله كهذا، لأول مرة تشعر بالأرتياح للنظر إلى شخصا هكذا..
  كل هذا أدركه الشاب "أيمن" وكأنه شعر بما شعرت به "قمر" تماما لأول مره أيضا.. وبعد ثواني من تلك اللحظة قال المدير لقمر مشيرا بيده على الشاب الوسيم: (أعرفك على أيمن الدكتور الجديد الذي سيكون زميلا لك في الإشراف العام فتعاونوا معا لتعرفيه على نظام العمل في شركتنا..) وبعد انتهاء المدير من كلماته خرجت قمر من مكتب المدير وخرج خلفها أيمن قائلا لها: ( أهلا بك دكتور قمر شرفت وسعدت بمعرفتك وأتمنى أن نكن خير أصدقاء) فابتسمت له قمر ابتسامة مصطحبة بحمرة تعلو وجنتيها لأول مرة عند حديثها مع شاب، قائلة له بنظرات يملأها الخجل المبهج: ( أهلا بحضرتك، وأنا أيضا أتمنى ذلك)..
  ولكن الحقيقة المكمونة أن كلاهما لم يتمنوا الصداقة فحسب، فكلاهما دقت مضغتهما دقات المحبين.. وكأنه هذا الحب الذي يسمونه بالحب من أول نظرة.. ومن ثم فتلك النظرات وهذه الدقات أوحت لقمر بأنه يمكن أن يحدث ما هو عكس كلمة عنوسة. ومن هنا أدركت أن قطر الزواج لم يمر ويفوتها كما قالت لها جدتها بل هي التي كانت مستوقفاه حين موعد رغبتها في الركوب فيه والانطلاق إلى رحلة الحياة الجديدة.



لا يسمح بنسخ المحتوى دون ذكر صاحبه أو مصدره جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة لصاحب القصة و لا يمكن نسخ محتواها و إعادة نشره دون إذن من صاحبه.
الاسمبريد إلكترونيرسالة