-->
U3F1ZWV6ZTE4NDE0OTExMTZfQWN0aXZhdGlvbjIwODYxNTU3MzE4
recent
أخبار ساخنة

قصة قصيرة بعنوان " زهرة التوليب" بقلم شيماء أحمد بوزوادة


قصة قصيرة بعنوان " زهرة التوليب" بقلم شيماء أحمد بوزوادة

قصة صيرة بعنوان " زهرة التوليب" بقلم شيماء أحمد بوزوادة

مجتمعها لم يكن ودودا عطوفا بل قاتلا متوحشا لا يأبه بالمشاعر و لا يعرف الحقوق، حطَّمها و هدمها أخذها من خيبة لأخرى، أسقطها في قاع الخيبات و الألم..   
تسنيم فتاة كزهرة التوليب الوردية جعلت العقل مجنونا بها، متناسقة القوام لا هي طويلة و لا هي قصيرة، عيناها سلبت للنحل عسله، أمَّا وجنتاها مُلأت بحبيبات الرمل الذهبية، رقيقة الكلام..مفعمة الحيوية..لينة التعامل..
  تنحدر من قرية نائية، لا وجود فيها للمقومات المعيشية كالمدينة، طرقها ليست معبدة بل تملأها الحفر، لا وجود لوسائل نقل تأخذهم للمدارس فيمشون كيلومترات و يمرون بالأوحال  حتى يصلوا للابتدائية، المتوسطة أو حتَّى الثانوية إن هم أكملوا دراستهم، الناس تغلبهم نظرات اليأس فقط، فقدوا البريق من أعينهم و كرهوا الحياة أمَّا الأطفال فتجدهم يهيمون هنا وهناك، آباؤهم لا يبحثون عنهم، يخرجون عند بزوغ الفجر و لا يعودون حتى انسدال ستائر الظلام..الكثير من الأطفال ضاعوا بسبب هذا الإهمال.         
أبوها لا يعمل، يبقى طوال النهار ملتصقا بالحائط يرصد المارة بعينيه، أمَّا أمها فهي منظفة منازل هناك امرأة لم تبخل عليها بالعمل وتعطيها حقها من المال كل شهر.. بفضل والدتها يسدُّون جوعهم.
عندما وُلدت كانت فرحة والدتها بها كبيرة، كانت الشمعة المضيئة لحياتها و مصباحا ساعدها في شق طريقها المظلم نحو النور، أحسَّت بأنها قد أزهرت ياسمينا لكن والدها كان ضد فكرة أن يكون له ابنة، ففي تلك القرية المرأة لديهم مجرد عبد تنصاع لأوامرهم أو دابة تمشي على قوائم تقتات من فضلات الرجال، حاول قتلها خنقا و أحيانا أراد شنقها كي يرتاح من هذا العبء لكن أمها حمتها و وقفت أمامه كجدار من فولاذ إذ أنها تحملت أشد الإهانات والعنف حتى كبرت صغيرتها.. في الحقيقة ذلك الأب القاسي كان حارسا لأحد البساتين وعندما بلغت الفتاة العمر المناسب للدخول المدرسي حثَّت أمها على تعليمها و تلقينها العلم لكن رفض الأب الفكرة، كان يود أن تبقى المرأة ذليلة للرجل أمية لا تفقه شيئا،  لم يرد أن يضع دينارا واحدا على أدواتها أو ملابسها لذلك عملت الأم من أجل تدريسها و توقف هو عن العمل فأصبحت زوجته تصرف عليهم..
  درست تسنيم بجد و جعلت أمها فخورة بها، أرادت أن تفعل شيئا صغيرا كي تعيد لها ذرة من إحسانها.. تنهض قبل ظهور الخيط الأبيض من الخيط الأسود.. تصلي و تدعوا الله بالخير و البركات، ثم تنطلق للثانوية مرتدية حجابها الأزرق الداكن و تغطي شعرها البني الحريري بخمار منسدل على ظهرها.. تمشي الهوينا كالغزالة بوقار لا تلتفت كثيرا كانت كما لو أنَّ الحياء تجمع عندها.. تحمل في يدها اليمنى حقيبة سوداء جميلة الحلة اشترتها لها أمها هدية عند بلوغها السادس عشر ربيعا قبل شهران.. كانت أجمل هدية بالنسبة لها.. تنظفها دائما.. تخاف عليها.. حتى أنها لا تنام إلاَّ بوجودها بالقرب من وسادتها..   
على صوت صراخ نهضت بفزع، فقد وجدت الأم زوجها على حين غرة سارقا للمال الذي تعبت في جمعه آخذا إياه لعشيقته، في كل مرة تتقاضى فيها أجرها كانت تجد المال ناقصا لم تشكَّ في حبيبتها لكنها شكَّت في زوجها و للأسف لم تجد الدليل القاطع كي تقابله به.. لكن هذه المرة وجدته ففي عطلة نهاية الأسبوع و قبل شروق الشمس بقليل سمعت صوت صرير الباب، تحسست الفراش فلم تجده نائما بالقرب منها.. لم تكن من عادته النهوض باكرا فشعرت بوجود خلل.. ارتدت عباءة بالية و غطت نفسها بسترة قطنية قديمة كي تقي نفسها من قرصات البرد.. تتبعت أثاره خلسة  حتى توقف في مكان خال ليتكلم مع امرأة غجرية ذات أعين واسعة رسمتها بالكحل و شفاه ممتلئة  تتحدث معه بصوت غنجي لا صلة له بالحياء.. وضع لها المال في كف يدها و تركت له قبلة على خده و أكدت له موعدهم القادم ثم ذهبت و تركت فؤاده معلقا بها.. استدار حتى وجد زوجته فاتحة لفاهها تذرف الدموع و تضرب وجهها بكفيها.. جرى نحوها أمسكها من شعرها و جرَّها نحو البيت.. كشفت حقيقته و لامته على أفعاله المشينة فأبرحها ضربا و طعنها بالسكين في شتى أنحاء جسدها  فجعلها بحيرة دماء حتى فارقت الحياة..
نظرت تسنيم لِما يحدث حتى خرجت أعينها من مقلتيها.. ارتجفت قدماها فلم تستطع حمل جسدها و سقطت على الأرض.. صرخت بأعلى صوتها حتى تعبت حبالها و أصبحت مبحوحة.. اقتربت منها و هي تحبو.. جلست على دماءها و عانقت جسدها بقوة.. ازرَّقت شفاهها بعدما كانت وردية جميلة تدفئ بها جبهة ابنتها بقبلاتها.. انغلقت عيناها بعدما كانت لمعتهما تضفي الراحة في قلب صغيرتها.. تيبست يداها بعدما كانت تفرك بهما شعر فلذة كبدها.. لم تصدق ما رأته..صرخت بقوة قائلة..
-تركتني وحيدة يا أمي في هذه الحياة.. أنتِ سندي.. أنتِ حضني.. لم يعد بعدك شيء يجعلني أعيش.. أريد مرافقتك يا أمي.. لماذا لم تأخذيني معك.. لماذا تركتني في هذا العالم الوحشي..
صرخت لمرات و مرات حتى ضربها أبوها من وراء رأسها و سقطت مغشيا عليها..
عندما نهضت وجدت نفسها أمام رجل غريب عليها، رائحة الخمر كانت مصاحبة له..يرتدي قميصا لم يستطع تغطية بطنه الممتلئة فظهرت سرته.. ذو صوت خشن شديد و عينان ضيقتان يخرج منهما الشر.. لم تصدق ما رأته عيناها.. ظنت أنها تعيش في كابوس.. لكنه لم يكن كذلك..
تكلمت بصوت يتذبذب بين الخوف و الارتجاف..
-من أنت ؟
رد عليها ضاحكا فظهرت أسنانه الصفراء..
-أنا سيدك، لقد باعك والدك لي..
ردت و هي تبكي و تحاول فك قيود يديها فقد لواهما وراء الكرسي..
-أرجوك فك قيدي اتركني أذهب في حالي..
علت أصوات ضحكاته و هزَّت البيت الذي كانا فيه..
-لا يا حلوتي، أنتِ جاريتي ستكونين عبدتي  تطيعين أوامري في كل صغيرة و كبيرة،  ليس لك الحق في قول كلمة أو الرد عليَّ، أنتِ هنا لتنفذي أوامري و إشباع رغباتي فقط.. ثم بدأ بضربها و تلذذ بتعذيبها.. كان كالحيوان المفترس بدون عقل أسقط جام غضبه عليها..
 بقيت عنده لمدة أسبوع لكنها لم تستطع الصبر أكثر فاستغلت فرصتها عندما كان نائما بعدما سهر مع الخمر..
فكرت في والدها لربما يساعدها لكن عند وقوفها أمام الباب سمعت صوت امرأة داخل المنزل و ضحكاتهما في الأرجاء.. فتحت الباب.. اغرورقت عيناها بالدموع و ندمت لقدومها.. عندما رآها أبوها أمسكها من يدها و رماها خارجا شاتما لها بأقبح الكلمات..
سألته المرأة..
-من هذه الفتاة؟
رد عليها منكرا لها..
-لا أعلم من هي.. ربما مريضة أخطأت العنوان..
منذ موت أمها لم تجد الحضن الدافئ المحب و المعتني بها، قلبها انكسر لآلاف القطع، تمشي وحيدة لا تعلم أين وجهتها، لا تعلم ماذا تفعل أو أين تختبئ،  اجتمعت الذئاب  حولها أرادوا التهامها اشتهوا لحمها و تقطيع ملابسها.. حلَّ الظلام و دخل الناس لبيوتهم وهي  تهرب من مكان لآخر حتى لا تراها الحيوانات الجائعة، جلست أمام المسجد الذي أصبح فارغا بعد صلاة العشاء كانت متيقنة أنَّ بيوت الناس ستغلق في وجهها لكن بيت الله لن يغلق.. انتظرت فتح الباب لها لكن لا أحد هناك.. فارغ مليء بكتب القران المهجورة.. تمنت لو أخذت معها كتابها و قرأته فلم تكن تبتعد عنه أبدا..
هبَّت الرياح الباردة.. سقطت الأمطار و حجبت الغيوم ضوء القمر، أصيبت بنزلة برد شديدة و ارتفعت حرارتها، أحسَّت أنَّ شخصا يضرب رأسها بالمطرقة فالصداع آلمها، أرادت البقاء مستيقظة لكن جفونها أبَّت ذلك  فَغطَّت أعينها و ذهبت روحها لعالم آخر..
نهضت صباحا وجدت نفسها في غرفة بيضاء نافذتها منتصفة الجدار تطل على شجرة التوت كانت ممددة على فراش واسع طري وسادته صنعت من الريش.. هبَّت رياح خفيفة داعبت الستائر الحريرية .. أدارت وجهها لليسار فإذ بها تجد امرأة شديدة الجمال كحور عين ترتدي حجابا أبيضا عكس على وجهها النور.. رسمت ابتسامة بريئة زادت من لمعة أعينها.. اقتربت منها و لمست لها وجهها الملائكي بيديها البيضاء و قالت لها بصوت شجي..
-لا تخافي و لا تحزني أهلا بكِ في بيتك الثاني..   

تمت.


لا يسمح بنسخ المحتوى دون ذكر صاحبه أو مصدره جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة لصاحب القصة و لا يمكن نسخ محتواها و إعادة نشره دون إذن من صاحبه.
الاسمبريد إلكترونيرسالة