-->
U3F1ZWV6ZTE4NDE0OTExMTZfQWN0aXZhdGlvbjIwODYxNTU3MzE4
recent
أخبار ساخنة

قصة قصيرة بعنوان "عثمان" بقلم خليصة بارش

قصة قصيرة بعنوان "عثمان" بقلم خليصة بارش

عثمان    اسمي عثمان وأبلغ من العمر خمسة وثلاثون عاما، من شرق البلاد وقد غمرني الله بكرمه فبعد تخرجي وفقت في الحصول على وظيفة جيدة.
عثمان

عثمان
  اسمي عثمان وأبلغ من العمر خمسة وثلاثون عاما، من شرق البلاد وقد غمرني الله بكرمه فبعد تخرجي وفقت في الحصول على وظيفة جيدة.
حدث معي هذا الصيف أمر عجيب غير من قناعاتي ونظرتي لجلّ الأمور، ففي أمسية امتزجت فيه زخات المطر مع شرارات نار الجحيم فتشكلت حمم حارقة أذابت بعض الملامح، وأنا عائد من عملي لمحت طفلا باكيا على الرصيف!!
لست فضوليا في العادة لكن وقتها تشكلت حيرة دفعتني لأدنو بخطاي نحوه، وبرفق سألته:
- ما بك يا صغير؟
نظر في غير اتجاهي وقال:
- أنا ضائع
كان يبدو مشوش ولا يثبت نظره على اتجاه واحد!! حاولت بث الاطمئنان في قلبه الصغير:
- لا تبك...اخبرني ما اسمك واسم والدك وسأساعدك للعودة ؟
- اسمي عثمان وأبي لا اعرفه...أنا يتيم
- وأنا اسمي عثمان!!
- سيد عثمان أعدني لبيتي...زخات المطر تفقدني خيط الرجوع...
 - سترافقني صغيري عثمان وعندما يتحسن الجو سنسأل عن أهلك وأعيدك
- لن ارافقك لأي مكان...أمي ستقلق علي يجب أن أعود إليها
 توقف تساقط المطر فجأة فارتسمت على ملامح عثمان علامات الارتياح، فوقف وقال:
- يمكنني العودة الآن
- أتعرف طريق العودة؟
- نعم سيدي ... وبإبهام سبابته أشار لطريق، فقررت مرافقته للاطمئنان عليه ومددت يدي إليه لكن استمر في النظر لغير اتجاه!! كما لو أنه يحاول تحديد موقعي ، فسألته:
- يمكنك رؤيتي ؟
- إذا كنت تقصد ابصار العين فلا لأني ضرير، أما إذا كنت تقصد ابصار القلب بلى فقلبي أبصر قلبك الطيب.
 أدهشتني فطنته وهو في هذه السن وعزمت على مرافقته حتى باب بيته.
مشينا لدرب طويل حتى وصلنا لباب مقبرة، قلت:
- أظننا أخطأنا المقاصد فهل لك أن تذكر عنوان مفيد؟
فعاد للخلف خطوتين ثم تقدم ثلاثا ومد يده للباب الكبير ورد: سيدي هذا منزلي
تبادرت لذهني أسراب حيرة لكنه أطلق عليها بفعل سريع فهاجرت بكل خضوع...!!
دخل الصغير واتجه لقبر عليه زهور البنفسج ونادى أماه هذا السيد كان اليوم عيوني فهلا فرشتي له بعض البنفسج!
أماه قد حطت على جلدتي زخات المطر فهلا تجففين جلدتي قبل أن ينال مني السقم؟
أماه إني جائع وريقي يكافح جفاف الحياة...اسقيني عطفا ومدي لفمي لقمة هنية من صنع يديك...
 بقي ينادي ويطلب باصرار دون كلل حتى تساقط اللؤلؤ الحار من عيوني وقلبي اعتصر، قلت له: تعال صغيري ستأكل اليوم من طبخ أمي وتنام على فرش حريري.
لكنه رفض أمر الرحيل وترك أمه وحدها كما لو أنه يرى روحها حية تصنع من التربة الندية حضنا له...
ونام الصغير على قبر أمه فحملته وجبت به الشوارع الفارغة من نبض الحياة ولما وصلت طرقت الباب برجلي: عجلي الفتح يا أمي..
ولما التقتني والحمل بين ذراعيا غارق في دمع السماء، سارعت لتجفيف دمعه وتحضير بعض الخبز والحساء، ولما تسلل الدفء إلى قلبه تبسم.
بسمة مثل لحن الفرح أطربتنا أجمل معزوفة أمل، ونام الصغير ليلة في حضن أمي، قلت له: يا صغيري حضن أمي لك...إنني اليوم كبير ،ومرت الليلة ومع الصبح لم أجد أثر للصغير!!
ورحت أقلب الشوارع  بقلب جزوع حتى وصلت لرصيف البارحة؛ حيث كان الصغير اليتيم باسطا كفيه يطلب الصدقة!!
اقتربت منه وقلت: كيف وصلت يا صغيري وكيف لمحت الطريق وأنت ضرير؟
قال: أنا ضرير العين لا القلب سيدي
- وهل قلب صغيري لم يرتح في مطرحنا فغادره مغادرة الهاربين قبل الفجر!!
- إن باب رزقي عند هذا المكان وخفت أن يفوتني نصيبي، وأيضا سريركم مثل ريش الحمام - ناعم جدا - خفت أن أتعود!!
وحضن أمك يشبه حضن أمي خشيت على أمي من غيرة تصدها عني، وخبزكم يا سيدي طري مثل خدود أمي قبل الرحيل وأسناني تعودت الخبز اليابس،
  أمي كانت تقول لي دائما: عليك التعود على سوء الحال، وحالكم يا سيدي لا يناسب حالي.
- أنت صغير...كيف تفكر مثل الكبار؟
- لست صغير أنا كبير...بقلبي تجارب مرة أثقلت كاهلي فصرت كهلا بحجم صغير... لست طفلا أليس الطفل من لديه أهل وبيت كبير؟! أنا لست صغير...أنا تعب تجسد في طفل ضرير...
 وعاد السكوت يحوم وعجز لساني عن رد يليق بحقيقة تنجلي في صفر مكرر، وسالت دموعي - ادمع قلبي قبل مقلتي - تذكرت أياما كنت امضي فيها تاركا خلفي كفا تناجي بعض الدراهم!!
تجاهلت اصواتا باكية...
قلت أنهم يدعون الحاجة ولهم قصورا شامخة
قلت ان عجزهم مجرد قناع وأنا أشمئز من الأقنعة
قلت عن كل من اتخذ من الرصيف " كاذب لعوب"
وكان جيبي ثقيلا بالنقود، وخفت نواياي فكنت لئيما
اااه يا صغيري وأنا استحق اليوم أن اشاركك هذا الرصيف، إن كنت أنت فقير حظ فأنا فقير أخلاق ودين وسأتوسل المارين بعض ضمير.
 اعدت الطفل معي للبيت يومها ووعدته أن اعتني به ما دمت على قيد الحياة ومرت أشهر ومرضت أمي مرضا شديدا، واقترح الأطباء ضرورة خضوعها لعملية خارج الوطن، فوجدت نفسي مجبرا على السفر مع الوالدة وترك الصغير وحده في البيت.
 استغرق العلاج أشهر عدة لأعود بعدها وأصدم باختفاء  عثمان!!  بحثت عنه لأيام دون أن ألمح له ظلا، وتسلل اليأس لقلبي وكبل قدماي لأوقف رحلتي البحثية وأعود للاهتمام بأمور العمل.
صحيح أن الأقدار أعادت لي والدتي لكنها بالمقابل أخذت مني مالي وعزي، وذات يوم كنت أقطع الشارع في شرود فنالت مني عجلات سيارة مسرعة في غفلة، تسببت في إعاقتي لأجد نفسي على كرسي متحرك أقصد الرصيف بحثا عن صدقات أشتري منها الرغيف.
 مر على الحادث عشر سنوات واليوم أنا أبتل تحت زخات المطر وقد يأست من انتظار شفقة المارين وتكرمهم علي ببعض قطع نقدية أشتري منها ما يسد جوع والدتي، وأنا أحاول دفع عجلات الكرسي المتحرك وإذا بي أشعر بيد دافئة تضع شالا على ظهري المبلل ، رفعت رأسي فوجدته شاب في ربيع العمر يظهر على وجهه نور ملائكي يبعث على الإطمئنان، سألني الشاب: هل أوصلك لبيتك يا سيدي؟
- إذا كنت تعرض مساعدة فيكفيني أن تشتري لي رغيف خبز أعود به للوالدة...تصعب علي العودة بلا شيء يؤكل...
- سأشتري لك كل ما تريد...
واستدعى السائق ليقوم بحملي ووضعي في السيارة ثم توجه لأقرب محل واشترى أطعمة كثيرة تكفينا لشهر، وسألني بعدها عن عنوان البيت، ليحدث ما لم أكن اتوقعه يوما!!
عندما أعطيته العنوان سألني عن اسمي فقلت: عثمان
- ابن الخالة مزهر
- بلى...لكن كيف تعرف اسم أمي؟!
- أنا عثمان الصغير ...ألا تذكرني...؟
- عثمان... كبرت...لم اعرفك...اختفيت ولم أتمكن من العثور عليك!!
- ندم أبي على تركي وعاد لاصطحابي وبعدها سافرت لأمريكا لاجراء عملية حتى استعيد بصري، والحمد لله كللت بالنجاح، لنستقر في أمريكا وعدت للوطن اليوم فقط وقررت أن ازوركم قبل أي شيء...
- كما ترى حالي...خالك عثمان اصبح متشرد يعيش على صدقات المارة!!
- لن تحتاج لفعل ذلك مجددا...
 منذ ذلك اليوم وعثمان الصغير يتكفل بكل ما نحتاجه، كما وفر عناية صحية لي ولوالدتي ومكنني من ممارسة عملي الخاص وأنا على كرسي دونما حاجة للشعور بالعجز ، لم اتوقع أن بذرة خير واحدة ستجعلني أحصد سنابل عديدة!!

لا يسمح بنسخ المحتوى دون ذكر صاحبه أو مصدره جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة لصاحب القصة و لا يمكن نسخ محتواها و إعادة نشره دون إذن من صاحبه.
الاسمبريد إلكترونيرسالة