U3F1ZWV6ZTE4NDE0OTExMTZfQWN0aXZhdGlvbjIwODYxNTU3MzE4
recent
أخبار ساخنة

قصة بعنوان : "نسختي الموازية " بقلم الكاتب و الشاعر : أحمد رضا الهاشمي

قصة بعنوان : "نسختي الموازية " بقلم  الكاتب و الشاعر : أحمد رضا الهاشمي

قصة بعنوان : "نسختي الموازية "

قصة بعنوان : "نسختي الموازية "


كل يوم أصحو وأنا أشعر بأن الحياة تزداد قرفاً وخيبة وضياعاً بحق ..
صياح الديك وحده منذ الفجر كان كفيلاً بأن يعكر يومي ، لكن أمي لم تسلمني وراحت تنشد علي اسطوانتها اليومية بأن علي النهوض لأجد عملاً وأن اترك التذمر .. لففت نفسي ببطانيتي ووضعت وسادة على رأسي لأنعم بالمزيد من النوم،  لكن الشلال الهاطل عليّ فجأة جعلني أنتفض للهواء مفزوعاً كقطة هلعة، فصحوت وأنا أتنهد بألم وغضب.. أمي قاسية، تفعل هذا بي دوماً وأنا متأكد أن الله لن يوفقها على عسكرتي منذ كنت صغيراً !
مضيت طريقي وأنا لا أصادف سوى القرف، نتائجي في الامتحان زادت وضعي سوءاً، لست أعرف لم دخلت مجال الشريعة أصلاً وأنا هوايتي تفكيك الأشياء وتصليحها، تمتمت بعد تنهيدة طويلة" ربما كان الأفضل لي ان ألتحق بقسم الهندسة الميكانيكية! "
منذ نعومة أظافري لم أسمع عن والدي غير القصص،  فقد حكت لي أمي أن وضعنا كان أفضل قبل رحيله.. كانت أمي حاملاً بي حينما أردته رصاصة طائشة قتيلاً ، بعدها كان على والدتي أن تصبح أبي وأمي وأن تعتمد على نفسها حتى أكبر وأعولها، لكنني خيبت أملها، فلم أفلح في شيء، فـ الحياة قاسية و ... مقرفة..



***
"من !! من في الباب!! "
"مرحـ ـباً .. أنا شِـ شهاب ..
قولوا لحسام أنّي في انتظاره ..."
 سارة هي السر الجميل الذي أهرب إليه من  قرف الحياة، لا يقوى صوتي على مجابهتها، يتلعثم قلبي حائراً كلما فكرت فيها.. أحبها بكل جوارحي و رجائي أن تصير زوجتي.. آآآه لو أتزوجها، سأضعها تاج على رأسي، سأقف في وجه الحياة ولن أدع مشاقها تتعسها، ستكون بلسمي وعطري وهوائي و روحي... "
"هاااه.. " تنهدت بعمق " متى سينتهي هذياني؟! "
لكنها مهندسة معمارية ناجحة، وطموحة وعائلتها تحوز على مرتبة رفيعة في المجتمع..
وآخر رجل قد تفكر فيه " أنت يا شهاب!! "
هكذا يحطمني منطقي كل يوم.. أنفض هذياني المتناقض وأذهب في جولة تسكعية مع أخوها حسام في سيارته.. 
" سنخوض طريقنا عبر هذه الجبال الوعرة، هذه طريق مختصرة.. هل تريد المغامرة ياصديقي؟  أم أنك خائف ؟؟ "
تمتمت في برود و لامبالاة:
"خض أي طريق تريده،  فلا فرق عندي، الموت والحياة كله سواء.. بل ربما إذا مِتُّ سيشفق علي منكر ونكير ويحتسبون حياتي الشقية في ميزان حسناتي وأذهب إلى الجنة"
قهقه حسام بشكل مبالغ فيه، ثم خاض الطريق المختصر..
أمامنا منعطف وعر وحاد.. لكن حسام تجاوزه ببراعة وهو يضحك في تحدٍ.. يواجهنا منعطف آخر أشدّ خطورة.. عيوننا تجحظ ، قلوبنا تقفز ذعراً.. نرتطم بحجر كبير، أطير خارج النافذة.. أطفو في الهواء لوهلة وناظريّ مصوبان نحو حسام العالق في السيارة... و فجأة أهبط للأسفل بسرعة البرق..
دوامة بيضاء تدور بسرعة قصوى، أرى مخلوقات أشبه بالفراشات الملونة، بياض في بياض.. لا بد وأن هذه هي الحياة الآخروية!



*"كيف اقتحمت البوابة الزمكانية؟! "
أفتح عينيّ ببطء،  ينقشع البياض وتتضح الرؤية.. ألتفت يمنة ويسرة.. أشجار خضراء كثة، حقول، نهر جارٍ.. هذا مكان أعرفه، إنها قريتي لكنها ليست كما أعرفها جرداء قاحلة!! 
*"قلتُ لك كيف جئت، من سمح لك بالعبور؟!! "
أنتبهُ للصوت، شيخ ذو لحية وثوب أبيض.. عريض المنكبين، قوي شديد وفي يده عصا غريبة.. لا بد وأن هذا منكر يسألني أخيراً ، استجلبت ما حفظته تكراراً تحسباً لهذا اليوم، أجبت بسرعة قبل أن تخونني ذاكرتي :
"الله ربي ومحمد نبيي والإسلام ديني .. أشفق علي فأنا رجل بائس أرهقه شقاء الحياة من كل حدب وصوب "
قهقه الرجل بصوته المرعب...
"أنت في اليمن الموازية يا شهاب، و لم تمت بعد  !! "
غشتني الدهشة:
" في اليمن الموازية!!  وكـ كيف عرفت اسمي؟ "
"أجل،  في الأرض رقم إثنان اليمن مركز أعظم امبراطورية اسلامية.. أمن ورخاء وكرامة وعز وجاه.. "
فغرت فاهي لما أسمعه وقلت :
"هذا يعني بأن العرب بل المسلمون جميعاً كونوا دولة قوية!!  ولا في الأحلام!! "
" بل هنا تتحقق كل الأحلام يا صديقي.. حسناً، لا تثرثر،  سأصطحبك معي وستعرف كل شيء! "



جال بي في مركبته العجيبة أماكن عدة حتى وصلنا للعاصمة صنعاء.. شدني منظرها..فالشوارع منظمة ونظيفة للغاية، والطابع العمراني الصنعاني لا يزال جميلاً كما اعتدته غير أنه مُستحدث هنا أكثر، يبدو أنهم وجدوا حلولاً للأمطار الغزيرة والفيضانات.. لقد أصبحت كل بقاعها خضراء والزهور بألوانها تعبق بالهواء.. لكن أمراً جعلني في قمة ذهولي،  قلت بإعجاب:
" السيارات.. لم أرَ مثلها قط، مصنوعة من هياكل تشبه الفولاذ غير أنها ممزوجة بمادة مرنة تجعلها تنحسر حتى أقصى حد لتدخل في زقاق ضيق جداً، وليس لديها إطارات وتستخدم الطاقة الشمسية بدلاً عن البترول... "
ضحك الحارس الزمكاني بطريقة غريبة وكأنه يُخفي مكراً:
"و كيف تعرف كل هذه التفاصيل يا شهاب؟!!  "
ابتسمت خجلاً قائلاً :
"أفكار كهذه كانت تطرق عقلي بإلحاح أيام الصبى..  غير أنني أهملتها لاحقاً كون الجميع كان يسخر مني.. لقد كنت فاشلاً على الدوام"
" ربما الفشل بداية كل مبدع ومخترع.. لكنهم مع العزم والإيمان بموهبتهم يثبتون للعالم أنهم مخطئون.. "
لم أرد سوى بهزة حائرة من رأسي..



أثناء تجوالنا صادفني شبان يضعون اساور ملونة غريبة الشكل.. كانوا فرحين يهتفون " المهندس المخترع شهاب عبد الرحمن " سلموا عليّ بحرارة، والتقطوا صور " سيلفي " بأساورهم التي تبث شاشات افتراضية.. ورحلوا...
بدأت الأسئلة تلوكني..  لكن الحارس كعادته جرني بصمت نحو وجهة جديدة.. قال بهدوء:
"ستتعرف على مخترع تلك السيارات التي أنقذت العالم كله من الازدحام ومن نفاد النفط "
منزل فخم.. تفاجأت لحجم التنسيق و الإبداع فيه.. لكن أمراً جعلني أتغاضى عن هذا كله.. هرولت كالمجنون:
"أبييييي "
ضممته بقوة، قبلته على جبينه ورأسه وعينيّ لاتتوقفان عن الهطول.. لكنه بدا مصدوماً وطفلين خلفه ينظرا إليّ في خوف.. بعدها شعرت بيديه العطوفتين يربتان على ظهري :
"لا بأس يا بُني سامحتك.. سامحتك.. سارة، شهاب الصغير .. لا تخافا فلن يصرخ والدكما بوجهكما مرة أخرى!"



تسمرت ذاهلاً.. و فهمت كل شيء.. أنا شخص بغيض في تعاملاته مع أهله حتى وقد أصبحت ناحجاً و ثرياً.. لحظة، لقد قال سارة.. وشهاب.. لطالما حلمت أن أسمي ابنائي على اسمينا.. أنا وحبيبتي.. همست في حذر لأقطع شكوكي:
"وأين ذهبت زوجتي ؟!!"
نظر إلي والدي في حزن قائلاً:
"سارة!!
 تركتك بالطبع، كنت قاسياً جداً عليها و وتسلطك زاد عن حده، على العموم ذهبت لتستغيث بأخيها حسام علّه ينجدها!! "
ودعت ولديّ وأبي ووعدته بأن أعيدها.. دمعي ينهمر حُزناً عليّ، لماذا أنا نكدي لهذه الدرجة؟  ليس لدي أية أعذار... وجدت الحارس وهو يمسك بنسختي الأكثر أناقة ونجاحاً و ثرائاً مني.. بدا مصعوقاً حين رآني، لكنني لم أتحمل رؤيته وصفعته على خده بقسوة لعلّي أعلمه أو أعلمني درساً لا ينسى:
"بربك.. لِم أنت نكدي يا أنا؟!!
الحياة مُشرقة، مبهجة.. ونحن وحدنا من يطفئها، نحن من يجلب لها البؤس رغم محاولاتها برسم الابتسامة على أرواحنا..
فقط لنسعد من أجلك أنت، من أجلي أنا".
تمت




لا يسمح بنسخ المحتوى دون ذكر صاحبه أو مصدره جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة لصاحب القصة و لا يمكن نسخ محتواها و إعادة نشره دون إذن من صاحبه.
الاسمبريد إلكترونيرسالة