-->
U3F1ZWV6ZTE4NDE0OTExMTZfQWN0aXZhdGlvbjIwODYxNTU3MzE4
recent
أخبار ساخنة

قصة بعنوان " الفسيلة " بقلم جلول قطاف


قصة بعنوان "  الفسيلة " بقلم جلول قطاف

قصة بعنوان "  الفسيلة " بقلم جلول قطاف
قصة بعنوان "  الفسيلة " بقلم جلول قطاف

في ليلة تأبي الأيام محاذاتها ، بريق يخفق القلب لسماعه توتر ،انفعال، هلع ،وكأن الحياة ستنتهي .تسللت المياه من ثغرات المنزل الخشبي المنهك المجاور للواد وهول الطبيعة يعاديهم  كانت هبة صاحبة الخمس سنوات متمسكة بذراع جدها محمود تأمل في  النجاة وأنين الوجع يلازم كل زاوية رافضا الرحيل منزل كان بجوار الواد الكبير  وقوة المياه الجارفة. نحتت صورة الخراب في كل مكان، هبة كانت في عش عائلتها تنعم بالدفيء  حتى وجدت نفسها متعلقة بعمود خشبي والمياه تهزها من مكان لأخر في ضوضاء وصخب اختفت هبة واختفت معها ابتسامتها الجميلة.
ومع بزوغ فجرٍ جديدٍ همَّ الجميع في البحث عن هبة لعلهم يجدون أملاً للعثور عليها، الأم صابرة تنادي بأعلى صوتها وقلبها محطم منكسر و الدموع لا تفارق العين راسمة الأسى على جبينها والجد محمود من شدة الألم على كتفيه . أصر أن يشاركهم في البحث، تحت أغصان الشجر فوق صخور الجبل على حافة الواد حتى الشمس آلت للغروب لتفارق النهار  وهبة ضائعة بين ثنايا القدر.
 أيوب لصابرة :  الله يعلم أين هي ؟.
صابرة : ابنتي حبيبتي .
وككل يوم كعادتها تملأ العجوز المتسولة إناءها بالماء صباحاً لتسد عطشها في يومها الشاق، انحنت لترى حذاء صغيرا يلامس صفائح الخشب المتقطع وما إن حركت بأصابعها لملمات ورق الشجر حتى رأت طفلة مرمية  وأنفاسها الخفيفة تتأرجح. حملتها بين ذراعيها مسرعة إلى كوخها الرث لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، أوقدت العجوز نارا لتدفئ بها هبة بعد خلجات البرد الشديد، ومزقت جزء من ثوبها لتلف به نزيفا بين أصابع أرجلها  وماهي إلا لحظات حتى استشعرت هبة بشيء أيقضها من غيبوبتها، لترى عالما آخرا غير عالمها، لتدرك أنها في مكان يعج بأشياء غريبة .
سألتها قائلة : من أنتِ؟
ردت العجوز والفرحة بادية على وجهها حمدا لله على سلامتك يا ابنتي، لا عليك، فأنت في مأمنٍ. ستتعافين
هبة : ماذا أفعل هنا وكيف أتيت الى هذا المكان؟
  العجوز: سأحكي لك لكن اهدئي.
وجدتك مغمى عليك تحت اغصان الشجر المتحطم وانت كالعصفورة مرمية متشبثة بينها لا تعي ما جرى لك. تذكرت هبة ليلة البارحة المفزعة وهول الرعود ونزول المطر.
تأثر الجد كثيرا لاختفاء هبة . لا تفارق مخيلته حتى انه راها في منامه يكلم الفسيلة التي غرستها تخاطبه وكأنها حفيدته :
اتعلم يا جدي ان الله سبحانه وتعالى لا يخيب ظن عبده مادام العبد يحسن الظن بربه . قف فاني ناظرتك  فتح عينيه ثم خر ساجدا لله شاكرا لربه عازما لإيجاد حفيدته الغالية وأصر أن لا يهدأ   له بال ولا يطيب له خاطر إلا ومعه هبة ضاحكة مستبشرة.
اما صابرة فصورة ابنتها  مرسومة بين جدران غرفتها،حتى ضعُف بصرها من شدة البكاء ، وفستانها الفـــواح يملأ أرجـــــاء المنزل . وخيالها لا يغادر خبايا المكان. ثم اخبر الجد محمود ابنه ايوب وزوجته صابرة بأنه سيغيب لأيام مسافر لإيصال امانة حتى لا يتحيران عليه. وانه سيعود بإذن الله.
وهو في طريقه الى القرية وقعت عيناه على رجل درويش ضعيف البنية ولباسه ممزقة  بالية فأراد ان يقدم له يد العون ويعطيه من زاده إلا انه رفض وبشدة نظر اليه نظرة المتحير ثم قال كن على يقين بان الله سبحانه وتعالى يحب عبده التقي النقي فاذهب طريقك مفتوح لا تيأس ستجدها حتما.
اندهش الجد محمود لكلام الرجل فرد عليه قائلا:
كيف عرفت ذلك ؟
فرد عليه : انها ناظرتك
استغرب الجد لكلام الرجل وقال في نفسه  أيعقل هذا ؟... لله في خلقه شؤون.
وفي ذات مساء اشترت العجوز المتسولة فستانا جميلا لهبة يليق بها فرحت كثيرا. وعـــــادا الى الكوخ و بحلول الظلام  والدهليز يضيء المكان لدغة افعى العجوز في رجلها شلت نصف جسمها الهزيل. فزعت هبة للمنظر المحزن . لم تتمالك نفسها من وقع الحادثة بدأت تصرخ وتستغيث لكن لا مجيب. وجدت نفسها وحيدة في مكان منعزل عن الناس .جلست عند جدار تبكي خائفة مترقبة ورجلها حافية وإذا بخيال الرجل الدرويش قادم نحوها في ذلك الظلام الدامس وقفت من مكانها مرتعشة. سمعته يردد كلمة  الله الله الله
نادته : يا رجل
هل لك ان تساعدني ؟
فالتفت اليها قائلا: ماذا تفعلين هنا في هذا الظلام؟
هبة : اريد منك مساعدتي فهناك كوخ قريب من هنا يوجد به امرأة ماتت من لدغة افعى
الرجل الدرويش: تعالي لا تخافي بنيتي سأساعدك.
 وما ان وصلا حتى قام الرجل بدفن العجوز ثم اخذ هبة معه سألته وعلامات الخوف على وجهها
سيدي هل فعلا أن الإنسان الذي يعيش وحيدا يدفن وحيداً
استغرب الرجل لسؤالها وردَّ عليها قائلا:
بنيتي الإنسان خلق ليحيا ويعيش إما وحيداً وإما مع مجتمعه. وأما عن الدفن فيدفن وحيدًا لأن الله سبحانه وتعالى يسأله عن أعماله.
هبة : قلت لي الانسان مع مجتمعه ماذا تعني بذلك؟
بنيتي المجتمع وهو عدد من الأفراد يشكلون مجتمع كالعائلة من أب وأم وأولاد
طأطأة رأسها هبة لو تعلم يا سيدي أني أشتاق وبحرقة لأبي وأمي وجدي وإلا الفسيلة التي غرستها.
الدرويش : أعرف جيداً قصتك. لا تخافي سترجعين وهذا وعد لك مني.
فرحة هبة لكلام الرجل الدرويش وأحست بنوع من بريق أمل لعله يرشدها إلى عائلتها.
ارتاحت هبة لكلامه وأمرها أن لا تبتعد عنه فقط .
لاحظت هبة أن الرجل مداوم على الصلاة وذكر الله كثيرا وأغلب الأوقات يقرأ القرآن، فأرادت أن يعلمها كل هذا .

مرضت صابرة بمرض أصاب شرايين عينيها أفقدها بصرها ،لم تتحمل فقدان ابنتها ولم يجد أيوب إلا الدعاء لله عز وجل ليفرج عنه ويلهمه الصبر والقدرة على مواجهة الصعاب تحملا عبء ومتاعب الحياة، يأمل برجوع ابنته وأبيه.
سارت الأيام والجد محمود صحته متدهورة جراء بقاءه في شوارع القرية رافضا العودة متيقناً إيجاد هبة، جلس عند مدخل السوق متيقظا لعلها تأتي إلى هنا، وإذا به يغمى عليه ويُحمل إلى مستشفى القرية لكي يسعفوه ،رآه الطبيب في حالة يرثى لها من شحوب الوجه وضعف البنية ،عاينه واوصى بمتابعته جيدا لسوء حالته وكبر سنه، وأمر بأن لا يخرج من المستشفى حتى تكون حالته جيدة
ادرك الجد محمود بأنه سيبقى لأيام وبدأ يفقد الأمل في إيجاد هبة ومع عساه أن يفعل سوى الدعاء لله عز وجل ليفرج عنه ويجد حفيدته.
فقد كانت هبة مع الرجل الدرويش يتنقلان من مكان لآخر قصد تذكر هبة مكان تواجد منزل عائلتها لكنها لم تتذكر شيئا لصغر سنها وعدم معرفتها بالأماكن المجاورة حتى دخلا إلى القرية ،فكان الرجل الدرويش لا يحبذ دخولها لأن أهلها يسيئون له ويهينونه ويحتقرونه للباسه الممزق البلي، حتى إنهم كانوا يلقبوه بالمجنون، وأول مكان لجئوا  إليه عند المسجد فهو مكان آمن وعند كل آذان يذهبان إلى الصلاة ومع حلول الليل يقترشان أفرشة قديمة للأحذية توضع عند كل مدخل المسجد.
كانت هبة كالحَمَلِ الودود تغط في نوم عميق فإذا بهبوب رياح قوية تهز كل ما في طريقها تمسكا الاثنان بعمود ملتصق بسقف مخرج المسجد، جرحت هبة ونزفت كثيرا من يدها وانتظرا حتى هدأت تلك الرياح وأسرعا إلى المستشفى في ساعة متأخرة من الليل، وكان لزاما عليها أن يخيط جرحها دخلت الغرفة والألم لا يفرقها ،تمت خياطة جرحها ثم أوصلوها إلى غرفة أخرى مجاورة لترتاح وتنام ، ومع الصباح نهض الجد محمود من مكانه ليجد فتاة نائمة بجوار سريره اقترب نحوها ليتفاجأ برؤية حفيدته هبة، لم يصدق ما تراه عيناه نادى بأعلى صوته هبة قرة عيني فتحت عيناها لتجد نفسها في حضن جدها وكأنها في حلم بكت هبة من شدة الفرح سجد الجد محمود سجدة الشكر حامدة الله على إيجاد هبة
سعادة لا توصف، أرادت هبة أن تشكر الرجل الدرويش على اهتمامه بها ، لكن اختفى عن الأنظار بحثت عنه في كل مكان ، لا أثر له. وبعد ذلك قصت على جدها كل الأحداث التي وقعت لها عن العجوز المتسولة وعن الرجل الدرويش وكيف وصلت إلى هنا، وسألته عن الفسيلة التي غرستها وعن والديها.
فأجابها بأن أمها مازالت تبكي لفقدانك وأبوب بحث عنك طويلا وتحمل كل مشاق وإلى الآن مازال يأمل في إيجادك.
جهزا الاثنان للخروج من المستشفى واستعدا للرجوع إلى حضن العائلة الدافئ، وفي طريقها سألت هبة جدها.
جدي تبحث عني وانت كبير في السن وصحتك لا تسمح لك بذلك؟
فأجابها : أعرف ذلك، يا ابنتي لكن رأيت في منامي بأنك تنتظريني لإيجادك. لذا قررت البحث عنك
وصل الجد وهبة إلى المنزل فإذا بأيوب يحمل الحطب على ظهره يمشي وخطواته متعسرة، نادت هبة أباها أبي سمع صوتها التفت يمينا ويسارا فلم يرى شيئا أعتقد بأن هذا صوت كان مجرد التفكير بابنته فقط.
ثم نادت مرة أخرى أبي ليرى ابنته تجري متجهة نحوه، سقط الحطب من يده غير مصدق، ابنتي هبة عنقها بقوة ، ويقول حمدا لله على رجوعك يا ابنتي آه كم أنا مشتاق إليك ، تعالي إلى أمك فهي لم ترى النور منذ فقدانك.
دخلت هبة المنزل اذ بصابرة تحرك موقد النار لتطهو. ارتمت هبة في حضها ،أمي ،أمي.
انصدمت الأم كثيرا لم تتمالك نفسها حتى لسانها عجز عن الكلام ،عنقتها بشدة وبكت بحرقة حتى من شدة البكاء لرجوع ابنتها أصبحت ترى النور بعينيها .
هبة الفتاة الصغيرة أيقنت أن حلمها سيتحقق لا محال وتكون تلك الزهرة في وسط حديقة بارزة بشكلها الجميل، مثلها مثل فسيلتها لتكلمها قائلة:
ها أنا هنا، غبت عنك مُرغمة، وعدت إليك وفي قلبي اشتياق لأحبتي ، ها أنا أمامك وفي يدي ماء يروي عطشك، لن أفارقك عزيزتي ولن تفارقيني ، فترابنا واحد وماؤنا واحد ، وأنا أحمد الله كثيرا على عودتي وعائلتي معي.
سنسعى نحن الاثنان إلى رفع غصن الأمل إلى أعلى القمم، وبعث روح الحب في كل إنسان يريد الخير للناس والسعي وراء كل تراكمات الحياة لتيسيرها وبسطها ،فسيلتي الغالية كم أشفق على جدي
 و و الداي لتعبهم وسهرهم وكم أنا ممتنة لهم على كل ما فعلوه لأجلي ،وكأني أرى في أعينهم بريق السعادة الغامرة برجوعي ، حلمي لم يذهب سداً ،ها أنا أعيشه بعدمـــا كنت أتخيله ســـــأذهب إلى المنزل وســــــأرجع لك ، لأكمل لك بقية حديثي، فعائلتي في انتظاري وكلهم شوق إلي ، وعيونهم لا تغمض جفونهم لشدة تعلقهم بي ، أدعوا الله أن لا يفرقني بهم ، ففراق الأحبة صعب يا فسيلتي الغالية، أسأله عزو جل أن يكونوا عونًا وسنداً لي ، فالحياة  بدونهم مُرَّة .
عادت الحياة تدُبُّ من جديد لترسم على قلوبهم البسمة والأمل لتلوح في الأفق أسمى عبارات المودة ،لتكبر هبة وتكبر معها الفسيلة لتعطي لنا بلسماً يشفي قلوبا قد كُسِرت، وخواطراً قد جُبرت وأنا لا أمل إلاّ فيه العزيز القدير.

لا يسمح بنسخ المحتوى دون ذكر صاحبه أو مصدره جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة لصاحب القصة و لا يمكن نسخ محتواها و إعادة نشره دون إذن من صاحبه.
الاسمبريد إلكترونيرسالة