U3F1ZWV6ZTE4NDE0OTExMTZfQWN0aXZhdGlvbjIwODYxNTU3MzE4
recent
أخبار ساخنة

قصة بعنوان" وحش الدار " بقلم نكاكعة حنان


وحش الدار

أكملت طريقي على عجالة أعددت قهوتي وحرصت على أن أضع فيها الكثير من السكر
أكملت طريقي على عجالة أعددت قهوتي



"من الموجع جدا أن تتحول الأحضان التي نلجأ إليها هربا من نوائب الدنيا أنيابا تقطع أثواب براءتنا وتنهش أجسادنا الغضة" كان ذلك كل ما استطعت كتابته وأنا أحاول جاهدة أن اكتب شيئا معبرا عن قصة زينب، كنت أدرك منذ البداية أن هذا الدرب صعب، وأنني سأخرج من هذه المعركة مشوهة الداخل كسيرة القلب، ولكن فكرة أن أكون بقعة ضوء في حياة إحداهن كان كفيلا بدفعي للمجازفة، خاصة حين تكون كل الحكايا متشابهة وكل الضحايا عاجزين، نظرت إلى الساعة بجواري، يا إلاهي لقد مرت ثلاث ساعات وأنا في نفس الموضع، أحاول ترتيب أفكاري فتتشتت، حملت نفسي متثاقلة وتوجهت إلي المطبخ وأنا أمني نفسي بكوب من القهوة عله يعيد تركيزي ..حين مررت بالصالة رأيت حقيبتي ملقاة على الأرض، لحظتها فقط تذكرت أنني املك مذكرات زينب، يا لحماقتي، أي عقل هذا الذي أملكه.
أكملت طريقي على عجالة أعددت قهوتي وحرصت على أن أضع فيها الكثير من السكر، تكفيني تلك المرارة التي بداخلي، عدت إلى الصالة، حملت المذكرات ثم تربعت على الأريكة وأنا أتسائل عما تحمله هذه المذكرات، لم أفكر كثيرا قبل فتحها، أول ما قابلني هو اسمها المزخرف على الصفحة الأولى، تابعت القراءة ومع كل صفحة اقرأها كان ينقبض قلبي ويزداد انتحابي. بدأت حكايتها بأحلام وردية وانتهت بجثة لا ادري إن كانت قتلت نفسها أم قتلوها، حين وصلت للصفحة الأخيرة لم أكن قادرة علي إكمال القراءة ولكن شيئا ما دفعني لذلك، ويا ليتني ما فعلت.
" اليوم أتممت عامي الخامس عشر، اخبرني أبي أني اليوم أكبر وأنني ازددت جمالا وأصبحت أكثر أنوثة..في البداية كنت اسعد جدا حين يمتدحني أبي، كيف لا وهو أبي حبيبي الأول ولكن اليوم حين يحادثني تتملكني الرغبة العارمة في قتله.
بدأ الأمر منذ عامين أو ربما كانت البداية أقدم، في كل مرة كان ينظر إلي، كنت أري في عينيه شيئا آخر بعيدا تماما عن الأبوة. ولكنني كنت أنهر نفسي. حضنه الدافئ لم يعد دافئا أبدا بل أصبحت اشعر وكأن يدي الشيطان تطوقني. قبل عامين حين كنت استعد للنوم دخل غرفتي وهو يتسحب علي أطراف أصابعه، كنت قد أطفئت الضوء...حين رأيت ظله تظاهرت بالنوم خوفا من أن يصرخ علي ويغضب مني لان الوقت كان متأخرا. ولكن ما إن بدأت يداه تتحسسني وتقع على أماكن ما كان يجب عليه أن يلمسها، حتى فتحت عيناي على مصرعيهما. أفزعه ذلك ولكنه لم يتراجع كمم فمي بيديه وراح يكمل فعله، لم تشفع لي عنده دموعي المنهمرة ولا تخبطي تحته. كنت أحاول أن أضربه، ولكن صدمتي كانت قوية جدا.
حين عجزت عن المقاومة، أغمضت عيناي ورحت أردد داخلي أنه حلم، وأنا أحاول أن اقنع نفسي فعلا انه مجرد حلم، ولكن يده الباردة وهي تتجول على جسدي و تدنس طهارة روحي كانت تعيدني إلي الواقع لا ليس حلما انه كابوس. كنت انظر في عينيه وأنا أبحث عن صورة أبي تلك الصورة التي كنت أراها وأنا طفلة، ولكني لم أجده. كان وحشا في هيئة إنسان.
بعد أن انتهي من إفراغ شهوته وإشباع حيوانيته، انحني علي وقبلني من خدي، ثم همس قائلا:" كان عليك شرب العصير" وما إن خرج من الغرفة حتى تقيأت، للحظه شعرت أني تقيأت قلبي بعدها. ركضت نحو الحمام كنت اغسل جسدي بقوة وأنا أحاول جاهدة أن أتطهر من هذا الوسخ ..لم استطع النوم ليلتها رغم أني حاولت. في الصباح كان يتصرف كأن شيئا لم يكن، وكان ما حدث بالأمس مجرد خيالات، لقد شككت في نفسي لوهلة، ولولا تلك الكدمات الزرقاء علي جسدي لقلت بأنني اظلمه. في طريقي للمدرسة كنت منكمشة علي نفسي، لم اشعر بالخوف في حياتي بقدر ما شعرت به حينها. ومنذ ذلك اليوم لم أعد استطيع رؤية ملامح الوجوه، أصبحت كل الملامح عندي متشابهة، كل الملامح أصبحت صورة مطابقة للوحش ..
في البيت كان علي التصرف بصورة طبيعية. لم ارغب أن تعرف أمي بما حدث، لا أريدها أن تتعذب. بالإضافة إلي أنني أقنعت نفسي أن ما حدث بالأمس كانت لحظة عابرة، وأن ابي لن يفعل ذلك مجددا. صحيح أني لن أسامحه، ولكن أيضا، هو والدي لن يؤذيني مجددا، وذلك الذي كان بالأمس كان مجرد شيطان تلبس أبي في لحظة ضعف. بعد العشاء كنت أجلس مع أمي في الصالة نشاهد التلفاز أو ذلك ما كنت أتظاهر بفعله، كنت أضع راسي علي فخذ أمي علني أجد بعضا من الأمان الذي فقدته. حين انضم أبي إلينا وهو يحمل كؤوس العصير، جاهدت نفسي حتى لا تشعر أمي بتلك الرعشة التي تملكت جسدي. لم استطع النظر إليه ولم استطع التحكم في تلك الدمعة التي فرت مني فعاجلتها بالمسح. ولكن ما إن قدم لي كاس العصير حتى تردد في أذني صدي همسه وهو يقول "كان عليك شرب العصير". سقط الكأس من يدي و احتلني صداع غريب وتزاحمت الأفكار في راسي ثم مرت صورته وهو يقدم العصير لنا في كل ليلة، وفي نفس اللحظة التي أدركت فيها انه كان يخدرنا أغمي علي ..حين استفقت وجدت نفسي علي سريري وكلاهما، يجلسان بجواري وما إن رأيت وجهه حتى انكمشت علي نفسي وصحت:" أريد النوم..." وأخرجتهما من الغرفة قسرا ثم أغلقتها بالمفتاح وارتميت علي سريري اندب حظي وابكي قدرا جعل من والدي مغتصبي.
بعد ساعتين سمعته يحاول فتح الباب انكمشت علي نفسي واحتضنت وسادتي، ظننت انه سيحاول قليلا ثم يرحل، ولكني سمعته يقول افتحي الباب وإلا كسرته، وقفت خلف الباب وأنا أحاول صده لكنه كان اقوي مني، استطاع فتح الباب رحت اصرخ لعل أمي تسمعني فتسعفني وتنقذني. ابتسم لي ابتسامته المقززة وهو يقول أمك في سابع نومة، هيا ابنتي الجميلة سيكون أمرا ممتعا. استسلمت لمصيري صار. وجوده كل ليلة في غرفتي أمرا محتما، في بعض الأحيان كنت اشرب المنومات حتى لا اشعر بشيء، وفي أحيان كثيرة يمنعني من ذلك كثيرا بعدما اخبرني وهو يمارس طقوسه الدنيئة انه يستمتع بمقاومتي.
لم استطع إخبار احد شعرت بالعار من نفسي وممن حولي ..كان الكل يراني اذبل ولكن لا احد منهم أبدى اهتمامه ليعرف ماذا يحدث معي. في لحظات كثير كنت أتمني لو يسألني احدهم فقط ماذا بي ..لو يخبرني احدهم انه موجود بجواري ولو كذبا . تمنيت أن أجد كتفا استند عليه، ولكن للأسف كنت وحيده جدا. تقوقعت علي وجعي وانطويت بداخل حياتي العاهرة. صرت اشعر أنني شخص زائد على هاته الحياة، ويجب عليه الرحيل لتعتدل. حاولت كثيرا الانتحار ولكني كنت جبانة جدا لم استطع وضع حد لمعاناتي.
قدمت علي امتحانات الإعدادية وفي اللحظة التي ظهرت فيها النتائج واكتشفت إخفاقي حينها فقدت آخر خيط يربطني بالدنيا، وأصبح الانتحار أمرا محتما وليس اختيارا. توجهت مباشرة إلي حمام البيت. حين حملت قارورة الأسيد وقربتها من فمي، كانت يد أمي أسرع مني حيث رمتها بعيدا عني وحضنتي. يا الله، كم كنت بحاجة إلي هذا الحضن. قالت لي بان الفشل ليس نهاية الدنيا وان كل شيء مقدر من الله تعالى. كنت منهارة جدا لدرجة أني أخبرتها كل شيء منذ اللحظة الأولي لاكتشافي الأمر إلي اليوم. أخبرتها عن عامين من الألم، سألتها أن تنقذني من هذا الوحش، ترجيتها أن تحميني، كانت تنتفض بجواري بكائها مزقني ولكني لم اعد احتمل.
سمعنا وقع أقدام فعرفت انه قد عاد للبيت مسحت دموعها ووقفت مسرعة، نظرت إلي بحزن وقالت لا تخبريه أنني اعلم ..بعد لحظات لحقت بها فوجدتها تتعامل معه كان شيئا لم يكن. أظن أنني سمعت لحظتها صوت قلبي وهو يتكسر، جلست معهم وأنا انظر إليها، وفي كل لحظة تلتقي نظراتنا كانت تشيح بوجهها عني. يومها ماتت زينب للأبد. لم احدث أمي بعدها أبدا إلا مرة واحدة حين سألتها فيها لما اختارته هو بدل عني. إجابتها كانت قاتلة بالنسبة لي، كرهت كونها ضعيفة جدا وكرهت نفسي كوني من نفس جنسها. أخبرتي وهي تنتحب أنها لا يمكنها مقاومته، لا تملك بيت تذهب إليه، ترجتني أن أتحمل. قالت بأن اشتكي إلي الله وحده العادل القادر علي إنقاذي، وحده سيحميني. ترجتني أن لا اخبر أحدا، قالت بأنها تخاف العار لن تتحمل نظرة الشفقة من الناس. كنت قد توقفت عن سماعها منذ اللحظة التي قالت فيها أن الله وحده هو العادل، هذه الجملة كان لها وقع جميل داخل قلبي، رحت أرددها بحماس وأنا أتخيل اللقطات الأخيرة لقصتي ولكني انتبهت فجأة حين سمعتها تقول بأنها حامل .
مرت سنة الآن على آخر حديث مع أمي ..مرت تماما كما تخيلتها نفس الوجع، لياليها متشابهة ولكنني أصبحت مختلفة، أصبحت بلا قلب. في كل ليلة بعد أن يخرج من غرفتي اجلس أمام المرآة وأنا أقول:" الله هو العادل... الله هو العادل". أنجبت أمي طفلا أسميناه زيد، عمره الآن أربعة أشهر وأنا اليوم أتمتت عامي الخامس عشر..اليوم سينتهي وجعي، وغدا سأبدأ حياة أخري هناك في حمى الله. لقد طبخت لهم اليوم، لقد أكلا حتى شبعا ثم غطا في نوم عميق، أظن أن مفعول مخدر أبي كان جيدا جدت. لقد استمتعت جدا و أنا أبعثهما عند الله. شعرت وأنا أقطع أطراف يديه بأني انتقم علي كل لحظة لمسني فيها. لن يستطيع الآن أن يلمس أحدا دون رغبته. أما أمي، فقطعت لسانها حتى تظل صامتة لأبد، لقد صمتت في اللحظة التي احتجت أن تدافع فيها عني، ولذلك فهي لا تستحق هذا اللسان.
أنا لم ابكي إطلاقا منذ عام، ولكن هربت مني دمعة وأنا أنقذ زيد من هذا العالم، كان يجب أن يموت هو الآخر. انه بريء جدا وهذا العالم موحش لا يقبل إلا الوحوش. الآن جاء دوري يجب أن ألحقهم أنا الأخرى. اليوم ستنعقد محكمتنا عند الله، ويجب أن أكون حاضرة لاشتكي له كل الظلم الذي تلقيته، لن يحميني غيره ولن ينصفني غيره لأنه هو الله العادل".
لم انتبه أن صوت بكائي قد ارتفع وأنا انتحب بقوة إلا حين حضنني زوجي وهو، يسألني ماذا حدث لم اجبه فقد كنت اردد قتلوا برائتها فقتلتهم .

لا يسمح بنسخ المحتوى دون ذكر صاحبه أو مصدره جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة لصاحب القصة و لا يمكن نسخ محتواها و إعادة نشره دون إذن من صاحبه.
الاسمبريد إلكترونيرسالة