U3F1ZWV6ZTE4NDE0OTExMTZfQWN0aXZhdGlvbjIwODYxNTU3MzE4
recent
أخبار ساخنة

قصة قصيرة " نقيق الضفادع" بدر فوزي أحمد


نقيق الضّفادع

قصة قصيرة " نقيق الضفادع"  بدر فوزي أحمد
قصة قصيرة " نقيق الضفادع"  بدر فوزي أحمد 

كنَّا جيرانَ موسِميين للمستنقع , وكان الرّبيع منبرا خصبا لمُعَدِّدات الضّفادع, يطلقن حناجرهن بنقيق صاخب. ولا أذكره يوما كذلك, بيد أنّ أهلي أخبروني أنّ الحفل يوم ختاني, حلّ في أواسط الرّبيع, حيث ولا شكّ, شاركتنا الضّفادع الفرحة والألم. ولا شكَّ أيضا أنّ أصواتها كانت تؤُزُّني أزّا في ساعة العسرة. فزع يُضَّيِقُ الآفاقَ أمام أنفاس الرّجاء, ومراوغات لطمأنتي, كأنها أشواك الهشيم تحتَ ألسِنَةِ الفراسة الملتهبة.
ويكون الدّرس, حين يمسك بك من تثق به من النّاس, وتستغيثُهُ وتستنصِرُهُ,  فلا يملك دفع الضّر عنك. درس قاس يروضك للحياة القاسية, ويطهِّرُك من هويَّة أخرى غير الرّجولة, وعافِيَة, وذكرى في مصير عظيم تلقاه فردا.
ورغم أنّي لا أذكر الحادثة, إلّا أنّني أشعر شعورا قويّا, أنّ شيئا ما, لا يزال يذكرها في ذاتي. وها هي بقايا الاضطراب وتوقع الشّر تلسعني كلّما دوى في أذني نقيق الضّفادع.
كنت في الثّامنة عشر من عمري عندما بدأت (شلّتنا) تغزو قبيلة الأعراف بعنف, وقد استصدرنا فتوى تبيح السّرقة ما كانت من باب اللهو. كنّا نسرق اللحوم الحيَّة, كالطُّيور, أو اللحوم الأخرى كالهامبرجر والنّقانق. وكان الشّواء يتم في حِجر الظّلمة, بين شجيرات العوسج جانب الوادي , حيث الموقع  السّري كما كنّا نسميه.
كنت كزملائي تغازلني السّرقة, ودونهم, تناكدني أجواء الموقع, ذلك أنّه ينكشف على نقيق دائم الجريان, يدوي في نفسي كصفارات الانذار, فأجزع من الدنيا وأقنط. وبين شواء النّقانق والانشواء على النّقيق كانت حيرتي, وما أظنُّني رضيت الاثنين معا, لولا خشيتي من أن تتَّهم رجولتي بين أصحابي, فكنت صابرا مجالدا. وكنت أختلس جميع الفرص لأعبر عن قُبح الموقع السّري في عيني, وعن  الضّرورة الملزمة تبديله. كان موقفي هذا يحزنهم, لكنّهم لم يفكروا جدِّيا بأن يبدلوه, ذلك أنّ فرحتهم باكتشافه تفوق مجمل فرحتهم بالمغامرة.
في ليلة ما أطلقت ملاحظة مهملة على أثر انتباهي فجأة لشاحن القلق في ذاتي. قلت: " أنا أكره هذا النّقيق".  كان يوسف أشدُّنا ذكاء فلم يهملها. أدرك يوسف شيئا ما, فأبتكر لنا بعبقريّتهِ الفذّة, صنفا جديدا من اللهو, وهو الرّقص على نقيق الضّفادع. سرعان ما ضرب الصّنف في الألباب, فأصبح الرّقص على النّقيق واحدة من شعائر المغامرة, حيث لا يُفتتح مشروع الضحك الّا بها.
في البداية كان عليّ أن أمثِّل أنّني إنسان عادي, فأتكلف الرّقص والنّشوة, ثمَّ كانت تصيبني عدوى الضّحك, فأرقص بإيجاد, بل أصبحت رقصتي أكثر الرّقصات تنسيقا مع الإيقاع. وسرعان ما أصبحت هذه المَلَكة, مضخَّة للضّحك الخالص. وقد شجعني هذا على المداومة عليها. وكانوا يستزيدونني فأزيد, حتّى وجدتُ نفسي أخيرا منخرطا معهم تماما. وبدأت المغامرات تتناسل, والأيام تمرُّ, وصرت أنسى أن أتشاءم من النّقيق.
وافترقنا وذهب كلٌّ إلى جامعته, وبقيتُ سنة متخلِّفا عنهم. كان الحنين إلى الماضي  يدفعني لأزور الموقع السّري, وحيدا متعطشا إلى حذافير المغامرات البائدة وحتى إلى النّقيق.
وفيما أنا كذلك, إذ بي أصغي إلى النّقيق, كأَنْ لم أصغ إليه من قبل. كنت أنقطع عن نَفْسِي, فتتّصل جوارحي كلّها معه. وانتبهت لأول مرة في حياتي أنّ لهذه النّغمات  قَدَرا مقدورا, مكيولا, معدودا, موزونا, مقسوما.. كانت الضّفادع ترتِّل وفؤادي مذعنٌ لها برهبة طَرِبه. وظللت بعدها زمنا, كلّما زرت الموقع, اختلى النّقيق بي فأغرى إحساسا بعظمة الوجود في ذاتي ,حتى صرت آتيه لأنكشف على العظمة, وأتفكر فيها, وأتودَّدُ إليها, حتى ألفتها. وصار إحساسي بعظمة الخلق, يقينا بعظمة الخالق, فعرفتُ أنّه جعل لكل شيء قدرا, ورأيت آثار رحمته, كيف يحي الارض بعد موتها, فأستهللت لِتَوِّي, وتنفَّست النّور, وشرعت أنظر الى كلّ شيء من جديد, ثم سجدت نفسي وجوارحي لله.

لا يسمح بنسخ المحتوى دون ذكر صاحبه أو مصدره جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة لصاحب القصة و لا يمكن نسخ محتواها و إعادة نشره دون إذن من صاحبه.
الاسمبريد إلكترونيرسالة