-->
U3F1ZWV6ZTE4NDE0OTExMTZfQWN0aXZhdGlvbjIwODYxNTU3MzE4
recent
أخبار ساخنة

قصة بعنوان " همس البلاء" بقلم رشيد قبائلي


هـــــــــــمس البــــــــــــــــــــــــــــــــلاء

عاش أعمى؛ من ظن أنه يرى بعينيه.
عاش أعمى؛ من ظن أنه يرى بعينيه.

    و تخطو مثقلا بأفكارك المضطربة؛ تارة تغوص في نور أمسك و ظلماته، و تارة أخرى تجرفك تيارات خيال غدك المجهول بعيدا.. فتنسى يومك و ساعتك. راقب خطواتك؛ كدت تصطدم به! حياك فرددت بمثلها، ثم سألك بملء وقار:
-             أخي الفاضل؛ أأكون قريبا من المحكمة الابتدائية؟
-             يفصلك عنها سورها فقط. أترضاني دليلا إليها؟
-             لا أود أن أشغلك عن وجهتك؛ يكفي أن تصف لي السبيل، فأبث الأمر إلى عصاي التي لا تكل و لا تمل.
-             لي الشرف بأن أكون عكازا نديما إذن .
   انفرجت شفتا الرجل عن ظرف، فأمسكته بخفة من مرفقه توجهه في المنعطفات و الدرجات، و فتحت ملفا قديما في ذاكرتك لصور تكاد تنساها لولا أشباه المواقف(والدك الأعمى).
  مررتما من آلة الكشف على البوابة الكبيرة؛ فالدولة صارت أنموذجا دوليا في حفظ الأمن العام!
موظف الاستقبال يسأله السيد رفقتك:
-             الغرفة الإستئنافية من فضلك؟
-             ستمران على قاعتين للجلسات مفتوحتين على الممر الرئيسي، ثم تسلكان الجناح الثاني بعد مكتب  السجلات العدلية، الباب الرابع على يمينكما، الغرفة الزجاجية على شمالكما هي المنشودة .
    كل يبث رأسه في حاسوبه وسط تل من الأوراق، الأمور هنا كما جرت عليها العادة.. فصبر جميل!
 على طرف من طاولة المكتب؛ قطعة من حاوية دواء كرتونية مكتوب عليها بخط يد "محسن" -اسم علم مذكر-!
   سيدة أربعينية في ملء أنوثتها تستفسر الموظف فيما تجهل :
-             سيدي؛ أيشرف التبني أن يكون قانونيا أم أن الأمر يستلزم إجراءات أخرى؟
 يرفق الموظف رده بابتسامة ساخرة :
-             و لم تصرف الدولة على أمهات المؤسسات؛ إن كان كل شئ يتم بيسر من هنا؟ !سيدتي فاطمة طرقت الباب الأول...
-             إذن لا بد من الاعتكاف يوما ببداوة المدينة؟!
-             إن هي إلا بضعة أوراق يصادق على ثبوت ما فيها لا أكثر؛ قسم قضاء الأسرة سيكون الشاهد العظيم على احتضانك للولد.
    بعين فضولية ترمق شابة تكون قد تجاوزت العشرين مطأطأة الرأس؛ أسندت ظهرها إلى جدار، يبدو أنها تتابع ما يجري باهتمام، لكنها صامتة لا تسمع لها زفيرا.. لا تقحم نفسك فيما لا يعنيك، الأعم أن لها وطرا كما أن لصاحبك الضرير وطرا.. و لربما وهنت و هي تنتظر مثلكما تماما.
  الموظف ينادي عليها:
-             آنسة حنان؛ ألم يأت أبوه برفقتك؟  يجب أن يدلي بمعلوماته و يوقع التزاما.
  رأسها مازال مطرقا.. انتشلت دفترا صحيا للطفل من حقيبة يد مهترئة، مدته إليه و في عينيها سحابة توشك أن تنهمر؛ ثم أردفت بصوت متهدج :
-             كان معنا منذ دقائق ، لكنه فقد بطاقة هويته و هو يبحث عن ناسخ.
   عقبت السيدة فاطمة:
-             لا ريب في أنه كان سيفقدها؛ كانت يداه ترتعدان و هو يمسك ملفا يضم أوراقه؛ كان منكسرا، كان واهنا ضعيفا!
  لم يستغرب الموظف إطلاقا.. لعل المألوف موصوف قبلا! يوجه حديثه إلى الآنسة حنان تارة أخرى:
-             بم نلقب المولود: محسن ماذا؟! اختاري له اسما عائليا؛ إن شئت كان مسبوقا ب "عبد"-مثلا-: محسن عبد المالك ، محسن عبد الله...
  غمامة سوداء تغشى عقلك الآن؛ فالأبناء ينسبون إلى آبائهم، إن لم يكن فأدعياؤهم.. لم الحيرة؟ طال فضولك.. اطمأننت إلى صمت رفيقك بعبارة خافتة على كتفه:
-             لم أفهم شيئا حين كنت على وشك أن أفهم كل شئ.
  رد بخفوت أدنى؛ كأنما أوجس خيفة:
-             سمان يأكلهن عجاف!
-             ضاق عندها عزيز، فأنى لمثلي أن يتفقه فيها؟!
-             وليد ستحمله الأقدار بين مخالب مجتمع تكاد تختفي فيه آيات الرحمة؛ فهو بين أن ينادى لقيطا أو يحيا طليقا.. إن هي إلا ساعة أورثت ذلا و اغتالت سنينا.
   نداء المسمى "خالد" -الموكل بحاجة رفيقك- يكف عنك فضول التأويل؛ انبهرت من لباقة صاحب صدفتك في حواره مع الموظف و خبرته بالقضية التي جاء من أجلها... ينتشل الوثائق من صف محفظته و هو على يقين أنها المرغوبة؛ حفظ ترتيبها و موضوعها بدقة بالغة لا تبقي للخطأ احتمالا! حصل على نسخة تنفيذية لحكم ما، ثم أودعها الصف المعلوم.. مددت يدك إلى مرفقه، منحته عكازه المركب، فبادرته بالحديث :
-             أبقي لك غرض هنا؛ سيدي جمال؟
  رد محررا ابتسامة عريضة اتسعت لها شفتاه:
-             جمال ..! الإسم الذي ردده الموظف مرارا كان نشيد القضية..زوج أختي؛ أمضى سنتين بليبيا لم يزر فيهما زوجته و طفليه، كان يهاتفها أحيانا كلما تذكر أنه رب أسرة .. بعدما عاد من اغترابه   و أمضى شهورا معدودة، اغترب ثانية و هو في فناء بيته و كنف شريكته.. هي أقرب إليه من حبل الوريد، لكنه بعيد عنها بعد السجين. إحداهن كانت تملأ جوفه و عينيه... اغترب طويلا رغم الليل الذي يجمعهما في لحاف واحد. كان برق خيانته يومض بين الحين و الآخر، قبل أن يسمع دوي رعده من أميال .. هم برفع دعوى الطلاق و هو المذنب الأثيم، أدعنت أختي المكلومة دونما استفسار؛ كانت لتفعل لو لم يبادر. مضى عام و نصف؛ لم ينفق شيئا على ولديه. أمرته بالود، حاولت أن أعيذه من كيد نفسه، لكنه كان جلمودا أصما.
 صمت لبرهة كأنما أوقفته الذكرى... فآنسته القول :
-             و ما جوهر الحكم التنفيذي؟
-             ثلاثة أشهر مع تأدية ما عليه من نفقة أبنائه. لم نكن نرغب في أن يؤول الأمر إلى ما آل إليه، لكن السيل عانق الزبى .
-             لا تثريب عليكم! قدمتم الحسنى فلم تجدوا لها طالبا، و لا شيء يمنع البراءة من أن تنطق كلمتها .
-             إنما هي ابتلاءات نخوض غمارها فمحسن أو مسيء، فلكل اللذين رأيتهم –الآن- منها نصيب : الحراس، ضباط الأمن ، الموظفون، المحامون، القضاة، المدعون، المتهمون، و الوالد و المولود، فالعاقر و الولود... هذا يمتحن في مظالمه، و ذاك يمتحن في عدله.. هذه في إحسانها، و تلك في إساءتها.. هؤلاء في عملهم و سلطتهم، و أولئك في صبرهم و صدقهم... فالطيور على أشكالها تقع.
   قادكما السبيل على غير هدى إلى ساحة الموحدين؛ قلب البادية المتمدنة (ورزازات)! جذبك لسان السيد إلى أغوار ذاتك، فنسيت أن تخبره بقارعة الرصيف؛ كاد أن يتعثر.. لكنه أكمل حديثه كاشفا عن ابتسامة رضا :
-             أمتحن في عماي، و أنت في قيادتك.. ألا تدلنا السبيل إلى ما نسد به رمق الضحى؛ صاحبي المبتلى؟!
    أبصرت قبالتك ضالتكما، تعبران، تأخدان مقعديكما... أسئلة فضولية تتوسط اللقم، تخبره عن: عمى والدك، ليلة وفاته، انحرافك، عودتك من الاغتراب إلى الاغتراب.. تصف له ما تأملته في زحمة الشارع حينها: عجلات كرسي قديم تدار بجهد، أم تدلل ابنها البالغ، طفل يخط لرفيقه في الفضاء.. تذكر له ابتسامة جارك حين عودته من حصص تصفية الدم، زميلك الجامعي الذي يحتضن سرطان الجلد بقوة، الفرشاة الحالمة في أصابع رجل رسام عارض..
    و هو يحكي لك عن: نور حبيبتيه اللتين رافقتاه منذ ولادته، تهكم القريب قبل البعيد، دفعه بالأبواب، حفظه للقرآن بالسماع، دراسته لكتابة برايل بسلا، كفاحه مع أخيه الضرير -مدرس الإعلاميات للمكفوفين-، إمامته في مسجد بلدته بتنغير... فطن إلى نفاذ آخر كأس شاي، ذكرته ساعة هاتفه الناطقة بمآرب أخرى.. نصب عكازته، منعك الأداء بعزة نفس، ثم همس لك في عناق ضاغط لم عابري سبيل: عاش أعمى؛ من ظن أنه يرى بعينيه.

لا يسمح بنسخ المحتوى دون ذكر صاحبه أو مصدره جميع حقوق الملكية الفكرية محفوظة لصاحب القصة و لا يمكن نسخ محتواها و إعادة نشره دون إذن من صاحبه.
الاسمبريد إلكترونيرسالة